الأحد، 31 مايو 2026

من 'صبارص الشرافي' إلى 'الميلة الصايمة': جولة صيفية في سوق الحوت باب الجبلي بصفاقس



 مع تباشير الصباح الأولى الصيفية، وحين ترسل الشمس خيوطها الدافئة لتداعب أسوار المدينة العتيقة، يستيقظ سوق الحوت بباب الجبلي في صفاقس على إيقاع فريد لا تشبهه أي حركية أخرى. هنا، لست أمام مجرد سوق لبيع ثروات البحر، بل أنت في قلب ملحمة يومية تختزل عشق الصفاقسية الأزلي لليود الأزرق.


بين أصوات "الدلالة" التي تهز الأرجاء وتثير حماسة المشترين، ورائحة البحر النفاثة التي تفوح من السلال الخيزرانية، تتحول الطاولات الرخامية إلى لوحات تشكيلية تنبض بالحياة؛ تتلألأ فوقها خيرات الساحل من "شلبة" براقة و"صبارص الشرافي" الذي يتهادى كأنه سلطان الصيف غير المتوج. إنها رحلة غوص يومية يمارسها الصفاقسي -مقيماً كان أو مغترباً حنّ إلى دياره- ليقتنص نكهة الصيف الحقيقية من قلب هذا المعلم التراثي النابض.

يا فخرة الصيف في صفاقس! سوق باب الجبلي في موسم الصيف يتحول إذا إلى خلية نحل، وصوت "البياعة" والنداء على الحوت يعطي للمكان نكهة خاصة لا تجدها إلا في عاصمة الجنوب.
تعد زيارة سوق الحوت بباب الجبلي في الصباح صيفا تجربة حواسيّة كاملة:

"الصبارص شرافي والحوت يلوج، يا مادام!" و"السردينة حية تنقز!".. أصوات الباعة المختلطة برائحة البحر واليود، والتلألؤ الفضي للأسماك فوق ألألواح ، يجعلك تدرك لماذا يمتلك الصفاقسي هذه العلاقة العضوية مع البحر.

بعد جولة في السوق وشراء "رطلين صبارص ورطل سردينة" أو "كيلو بوقا"، لا تكتمل السلة إلا بمرور سريع على خضار السوق لشراء الفلفل البقلوطي والكمون والثوم والطماطم والبطاطة لزوم المرقة الصفاقسية بالنسبة للثلاثة مشتريات الأولى أو صحن المقلي للبقية ، لتكون النتيجة وجبة صيفية صفاقسية بامتياز، تجمع بين خيرات الأرض والبحر التي يأتي في مقدمتها الصبارص ,سمك الصفاقسية بامتياز

صبارص "الزروب": أيقونة المرقة الصفاقسية

يُعد صبارص الزروب (Sparaillon) من فصيلة "السباريداي"، وهو السمك الأكثر شعبية في صفاقس خلال الصيف.

المميزات: يتميز بحجمه الصغير إلى المتوسط، ولونه الفضي المائل للاصفرار، ووجود بقعة سوداء عند منبت الذيل.

لماذا الزروب؟: يفضله الصفاقسية في "المرقة" لأن لحمه يظل متماسكاً رغم رقته، ويمنح المرق نكهة قوية ومركزة لا يوفرها أي نوع آخر.

كيفية الشراء: غالباً ما يُباع في صناديق خشبية ويحرص المتسوقون في "سوق الحوت" بباب الجبلي على أن تكون عيونه لامعة وجلده مشدوداً كدليل على جودته "الفرشكة" (أي الطازجة جداً).

صبارص "الشرافي": هندسة الصيد المستدام





يرتبط اسم الصبارص في صفاقس وقرقنة بطريقة صيد فريدة ومصنفة ضمن التراث العالمي لليونسكو وهي "الشرافي".

التقنية: هي متاهة بحرية تُصنع من سعف النخيل المغروس في قاع البحر الضحل. تعتمد على استغلال حركة المد والجزر، حيث ينساق السمك مع التيار ليدخل في غرف صغيرة (تسمى "البيوت" أو "الدرينة") ولا يستطيع الخروج منها.

الجودة العالية: ما يميز صبارص الشرافي (سواء في قرقنة أو في سواحل سيدي منصور بصفاقس) هو أنه "سمك حي". على عكس الصيد بالشباك الذي قد يضغط على السمك أو يقتله، يظل السمك في الشرافي يسبح بحرية حتى لحظة جمعه، مما يجعل طعمه ألذ وقيمته الغذائية أعلى.

الفرق بين الصفاقسي والقرقني: غالباً ما يكون صبارص جزر قرقنة (مليتة والعطايا) صغيراً ، بينما يتميز صبارص سيدي منصور بكونه "ملحماً" أكثر.

ما هي "الميلة الصايمة"؟ .. سر اللغز البحري الشهي




وسط هذا التنوع البديع، يستوقفك اسم يتردد بكثرة بين الباعة والعارفين بأسرار البحر: "الميلة الصايمة". فما هي قصة هذا السمك الذي يكتسب أهمية خاصة على الموائد الصفاقسية في القيظ؟

"الميلة" في اللهجة المحلية التونسية والصفاقسية هي نوع مميز من أسماك البوري (Mullet). أما وصفها بـ "الصايمة" (الصائمة)، فليس مجرد تسمية مجازية، بل هو تشخيص لظاهرة بيولوجية طبيعية وتوقيت موسمي دقيق يعلمه الصيادون جيداً:

نظافة الأحشاء وخلوها من المرارة: في فترة معينة من فصل الصيف، تمتنع هذه الأسماك غريزياً عن تناول الأطعمة والطحالب لفترات، أو تقتصر على التغذية الخفيفة جداً، مما يجعل أمعاءها وأحشاءها فارغة تماماً ونظيفة من أي فضلات أو شوائب قد تسبب مرارة في الطعم.

النكهة الصافية واللحم المتماسك: نتيجة لهذا "الصيام" الموسمي، يزداد لحم "الميلة" جودة وطراوة، ويصبح خالياً من الروائح القوية أو النكهات الطينية التي قد تظهر في مواسم أخرى، مما يمنحها طعماً صافياً ونقياً للغاية.

بطلة "المملوح" والطهي التراثي: نظراً لنظافة أحشائها الداخلية، تُعد "الميلة الصايمة" الخيار المثالي والأول لدى العائلات الصفاقسية لإعداد "السمك المملوح"، أو لطهيها كاملة دون خوف من تغير نكهتها، لتصنع بفخر "مرقة الحوت" أو تؤكل مشوية على الفحم لتسيل دهونها الطبيعية الذكية.

السردينة والبوقا



السردينة والـبوقا (Bougue) هما من أساسيات المائدة الصفاقسية الصيفية، ولكل واحدة منهما مكانتها ودلالها في سوق الحوت:

سردينة الصيف: ذهب البحر الأزرق

صيف صفاقس مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسردينة "المنسوجة" أو "البلدية" التي تأتي طازجة من خليج قابس ومياه صفاقس والشابة والمهدية

في الصيف، تكون السردينة في قمة جودتها، ممتلئة وغنية بالزيوت الطبيعية (الأوميغا 3) ونكهتها مركزة.

التحضير الصفاقسي: لا تغيب عن مائدة الغداء، وإعدادها فن:

المشوية على الفحم: مع رشة ملح وكمون وقارص، وهي رفيقة "المسطورة" أو "الشكشوكة" الصيفية.

الملثوث بالسردينة: من الأطباق التقليدية التي تجمع بين بساطة المكونات وعمق النكهة.

المقلي أو "المحشية": بالثوم، التابل، الكروية، والهريسة العربي.

البوقا: الحوتة المدللة

البوقا في الصيف تكون متوفرة بكثرة وبأسعار في متناول الجميع، وهي من الأسماك التي يقبل عليها الصفاقسية بشكل كبير ليومياتهم.

الميزة: لحمها أخفيف، وتكون مثالية جداً للقلي أو الشواء السريع.

التحضير الصيفي: غالباً ما تُقلى البوقا بعد تتبيلها جيداً (تفويح صفاقسي بالكمون والثوم والليمون) وتُقدم إلى جانب صحن "كفتاجي" حار أو سلطة مشوية تبرد على القلب في قيظ الصيف.

هذه من أهم أسماك الفترة الأخيرة من فصل الربيع اضافة الى السردوك والقشاش ويضاف إليها أنواع أخرى خاصة بفصل الصيف هذه أهمها :

أهم أسماك الصيف في صفاقس:

عائلة البوري (Mulet): تشمل الميلة، الجفاو، والكرشو.
صبارص الزروب (Sparaillon): يعتبر سمك المرقة الصفاقسية بامتياز.
المنكوس (Marbré): محبوب جداً ويطبخ مع الصبارص.
الشلبة (Saupe): وتعرف "بشلبة ومية العنبة" (أواخر الصيف).
الحمام (Petite raie): تتوفر في الصيف والخريف.
أسماك أخرى: السردينة وبوقة الغزال.

ملاحظة حول "الشلبة": إضافة إلى تجنب البطن والدم، يُنصح الصفاقسية دائماً بأكل الشلبة في أواخر الصيف (أوت)، حيث تكون قد تغذت على "العنب" المتساقط في البحر (حسب الأسطورة الشعبية) مما يجعل لحمها دسماً ولذيذاً، ومن هنا جاء المثل الشهير: "شلبة وعنقود من العنبة"

الكاتب الإعلامي محمد المنجة
....










خدمات النزل والإقامة في صفاقس
. .

 

 خدمات سياحية في صفاقس

. .
... ...... .... Recent Posts Widget .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Articles les plus consultés