ليس هناك وصف أدقّ لمدينة صفاقس العتيقة من أنها متحف مفتوح حي
تُعتبر مدينة صفاقس العتيقة، واحدة من أهم المدن التاريخية المحصنة في العالم العربي والإسلامي. تمتاز بأسوارها المتكاملة التي لم تُنل منها رياح التاريخ، لتبقى شاهداً حياً على عبقرية التخطيط العمراني الإسلامي، وعلى صمود سكانها عبر قرون من التحديات.
تأسست هذه المدينة في منتصف القرن التاسع الميلادي، وتمثل اليوم متحفاً مفتوحاً يروي قصة حضارة وثقافة نابضة بالحياة. في هذا المقال، سنأخذكم في رحلة مفصلة عبر تاريخ المدينة العتيقة بصفاقس، ونتجوّل في أشهر معالمها التي تجعل منها تحفة معمارية فريدة.
الموقع والتأسيس: بين الماضي الروماني والخطط العربية
تقع مدينة صفاقس على ساحل البحر الأبيض المتوسط، في موقع استراتيجي جعلها عبر التاريخ ملتقى للقوافل التجارية القادمة من إفريقيا والشرق الإسلامي . تشير المصادر التاريخية إلى وجود مدينة رومانية قديمة في المنطقة تُعرف بـ "تبرورة"، لكن عدم العثور على معالم كبرى لتلك المدينة جعل المؤرجين يرجحون أن صفاقس الإسلامية قد شُيدت فوق أنقاضها أو بالقرب منها .
التاريخ الفعلي لتأسيس المدينة يعود إلى عام 849م، في عهد الدولة الأغلبية، على يد القاضي علي بن أسلم البكري . وقد اختطّ المدينة بتخطيط عربي إسلامي مشابه لمدينة الكوفة في العراق، حيث تم بناء سور مستطيل الشكل (بطول 600 متر وعرض 400 متر) يحيط بالمدينة، ووُضع الجامع الكبير في قلب هذا المستطيل تماماً .
تعد هذه الخاصية (وجود الجامع في المركز) السمة المميزة للمدن العربية الإسلامية، والتي تجعل صفاقس نموذجاً نادراً حافظ على ملامحه الأصلية. مساحة المدينة العتيقة اليوم هي 24 هكتاراً ، وهي محاطة بسور يعتبر الوحيد المتواصل كاملاً في تونس، حيث لا يمكن دخولها إلا من خلال أحد أبوابها الخمسة عشر .
تاريخ المدينة العتيقة: من الأغالبة إلى الاستقلال
العصر الأغلبي والفاطمي (النشأة والمحن)
بُنيت المدينة كرباط وبرج دفاعي لحماية السواحل. في البداية كان للسور بابان فقط: باب الجبلي (شمالاً) وباب الديوان أو باب بحر (جنوباً) . لم تدم طويلاً في كنف الأمان، ففي عام 914م هاجم حاكم صقلية المدينة وسبب فيها خراباً كبيراً . ورغم عودة الفاطميين للسيطرة، إلا أن أهل صفاقس تمردوا على المذهب الشيعي الإسماعيلي الجديد، وبقوا على مذهبهم السني المالكي، وانضموا لثورة "صاحب الحمار" ضد الحكم الفاطمي .
العصر الزيري والغزو النورماني (اضطرابات وصمود)
شهدت صفاقس في العهد الزيري اضطرابات بسبب غزو قبائل بني هلال، لكن المحطة الأصعب كانت عام 1148م، حين احتلها النورمان (الصليبيون) القادمون من صقلية. كانت هذه أول مرة تسقط فيها المدينة بأيدي قوة غير إسلامية. استمر الاحتلال 8 سنوات، حتى قام "عمر الفرياني" بثورة ضدهم، وحرر المدينة عام 1156م، مخلصاً إياها من قبضة النورمان .
العصر الموحدي والحفصي (الازدهار العلمي والهندسي)
بعد طرد النورمان، شهدت المدينة ازدهاراً في العهدين الموحدي والحفصي. أمر الأمير الموحدي محمد الناصر ببناء "مواجل الناصرية"، وهي صهاريج ضخمة لتخزين المياه، بلغ عددها 365 ماجلاً (بعدد أيام السنة) لتأمين مياه الشرب للسكان . كما شهدت هذه الفترة هجرات أندلسية متتالية، جلبت معها عائلات عريقة ، مما دعم النشاط التجاري والبحري للمدينة .
العصر العثماني والحديث (جهاد وتوسع)
خلال العهد العثماني، برز علماء صفاقس كـ "علي النوري" في مقاومة الاحتلال الإسباني وفرسان مالطا . وفي فترة الاحتلال الفرنسي (1881-1956)، كانت صفاقس من مراكز المقاومة العنيفة، وخرج منها رموز وطنية كبرى كفرحات حشاد والهادي شاكر . مع بداية القرن العشرين، ولتوسع المدينة، تم فتح أبواب جديدة في السور بعد أن كان العدد يقتصر على بابين فقط .
جولة تفصيلية في المعالم: حكايات الحجر والماء
1. سور المدينة والأبواب
سور صفاقس هو أيقونتها الحقيقية، ويصل طوله الإجمالي إلى 2750 متراً، ويتراوح ارتفاعه بين 7 و11 متراً . بني في البداية بالطين والطوب عام 849م، ثم أعيد بناؤه بالحجر المنحوت والكلس عام 859م . تم استيراد الحجارة من مواقع أثرية رومانية قديمة مثل مدينتي طينة وبطرية، مما يضفي عليه طبقة تاريخية أعمق.
من أشهر أبواب المدينة:
باب الجبلي: أقدم باب في الشمال، أعيد بناؤه عدة مرات.
باب الديوان (باب بحر): كان يطل مباشرة على الواجهة البحرية قبل طمر البحر وبناء الميناء الحديث.
2. الجامع الكبير (جامع الأغالبة)
يقع في قلب المدينة العتيقة تماماً (نقطة الصفر)، أسسه علي بن أسلم البكري مع بناء المدينة. تميز بهندسته المعمارية المتقنة ومئذنته المربعة الشكل التي تأثرت بالطراز الأغلبي والموحدي. عرف الجامع تحسينات كبيرة في العهد الزيري حوالي عام 988م . يعد الجامع الكبير القبلة الدينية والعلمية للمدينة، ويجذب الزائرين بخشوعه وجدرانه البيضاء وزليجه البسيط أنيق.
3. القصبة وبرج النار
القصبة: كانت في الأصل رباطاً دفاعياً (قلعة) ثم تحولت إلى ثكنة عسكرية ومقراً للحاكم. اليوم، تحولت إلى متحف هام يحتضن متحف الفن المعماري التقليدي، حيث يعرض نماذج رائعة عن أنماط البناء والحياة اليومية في المدينة .
برج النار: يقع في الركن الجنوبي الشرقي من السور. استخدم لإشعال النار ليلاً كمنارة بحرية لإرشاد السفن، وناراً نهاراً لإرسال الإشارات الدخانية لتحذير السكان من هجمات القبائل أو الأساطيل .
4. الأسواق والطراز العمراني (الحوانيت والأزقة)
تعتبر أسواق صفاقس العتيقة من أروع أسواق المغرب العربي، حيث تحتفظ بتخصصها المهني القديم:
سوق الحدادين: لتجارة الحديد والأواني المنزلية.
سوق الربع وسوق الكامور: لبيع الملابس التقليدية والأقمشة .
سوق الجزارين وسوق البلاغجية (الأحذية): تعكس هذه الأسماء القديمة كيف كانت المدينة منظومة عمل متكاملة، حيث كل حرفة لها ركنها الخاص. الأزقة هنا ضيقة ومتعرجة لتعزيز التظليل وتقليل حرارة الشمس، وهي سمة فريدة في الهندسة المعمارية الإسلامية.
5. دور الضيافة والقصور
وسط العمران الكثيف، تختفي قصور فخمة تعود لعائلات ثرية، أبرزها دار الجلولي:
دار الجلولي: تقع قرب باب الديوان، وهي قصر من القرن الثامن عشر تم تحويله إلى متحف الفنون والتقاليد الشعبية ومركز ثقافي . يتميز بفناء داخلي فسيح مزين بالفسيفساء والجص، وأسقفه الخشبية المنقوشة (الآجر). كان هذا المنزل شاهداً على حياة البرجوازية الصفاقسية، وهو اليوم منارة ثقافية .
كما تضم المدينة العديد من "الفنادق" (وهي نزل للتجار القادمين)، مثل فندق الحدادين، والتي كانت تشبه البيوت الكبيرة المؤقتة.
6. المنشآت المائية: الفسقيات والمواجل
لا تكتمل صورة المدينة العتيقة بدون نظامها المائي الذكي. عانت صفاقس من ندرة المياه، فابتكر أهلها الفسقيات، وهي صهاريج أرضية ضخمة تجمع مياه الأمطار من الأسطح عبر قنوات (المزاريب).
مواجل الناصرية: شيدت في العهد الموحدي خارج الأسوار، وتعد تحفة هندسية لتخزين المياه .
7. الزوايا والمقامات
للمدينة نكهة صوفية قوية، حيث تنتشر زوايا الأولياء الصالحين أمثال مقام سيدي علي كراي، سيدي عمر كمون، وسيدي إلياس. هذه الأضرحة ليست مجرد أبنية دينية، بل كانت مراكز إشعاع علمي واجتماعي، ولا تزال تحتفظ بهالة روحانية خاصة. تتميز مآذن هذه الجوامع بتصاميم فريدة مصنفة ضمن المعالم التاريخية المحمية .
ماذا تفعل عند زيارة المدينة العتيقة؟
التجول قرب السور وداخلة : فخامة المشهد واصالته والتقاط الصور البانورامية للمدينة.
التسوق في الأسواق: شراء المنتجات الحرفية (جلود، صوف، أو تحف بخشب الزيتون أو نحاسية) وسبر أغوار الأزقة الضيقة.
زيارة المتاحف: دار الجلولي (للحياة التقليدية) متحف القصبة للعمارة التقليدية والمتحف البلدي (للوثائق التاريخية).
تذوق الطعام: المدينة مليئة بالمطاعم الشعبية التي تقدم أطباقاً بحرية طازجة و"كسكسي بالسمك ( المرقة الصفاقسي ) أو بالقرنيط والشوابي الشؤافي أو باللحم".
حضور الفعاليات: غالباً ما تستضيف المدينة العتيقة، وخاصة دار الجلولي، حفلات موسيقى المالوف الصفاقسي والأمسيات الثقافية.
في الختام
مدينة صفاقس العتيقة ليست مجرد أطلال أو متحف جاف، بل هي كائن حي يتنفس. لا تزال حركة البيع والشراء تغذي أزقتها. إنها قصيدة معمارية كتبها الأغالبة وأضاف فيها الحفصيون والعثمانيون أبياتاً، وآخر بيت فيها كتبه بخط الإرادة شعب صفاقس الأبي. إنها جوهرة العمارة الدفاعية العربية، وتستحق بجدارة أن تكون على قائمة كل عاشق للتاريخ والتونس العميق.



.jpg)
.png)



.jpg)

.jpg)






%20(1).jpg)



















ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق