‏إظهار الرسائل ذات التسميات مدينة عتيقة تاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مدينة عتيقة تاريخ. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 19 مايو 2026

الزيتونة وزيتها : ذاكرة الأرض وروح التراث في صفاقس




منذ قرون طويلة، ارتبطت صفاقس بشجرة الزيتون ارتباطا جعلها تتجاوز مكانتها كشجرة مثمرة لتصبح جزءا من الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية للجهة. فالزيتونة في صفاقس ليست مجرد مورد فلاحي أو اقتصادي، بل هي عالم متكامل من المعارف والمهارات والممارسات والعادات الاجتماعية التي توارثتها الأجيال جيلا بعد جيل. ومن غراسة الأشجار والعناية بها، إلى مواسم الجني وطقوس عصر الزيتون داخل المعاصر التقليدية، تشكلت ثقافة زيتونية خاصة صنعت ملامح الحياة اليومية للصفاقسيين ورسخت علاقتهم بالأرض والعمل والتعاون.

وقد لعب زيت الزيتون بدوره مكانة محورية في هذه المنظومة التراثية، إذ لم يكن مجرد مادة غذائية، بل رمزا للخير والبركة والاستقرار، وحاضرا في المائدة الشعبية والعادات الاجتماعية والأمثال والأغاني المرتبطة بالموسم. لذلك يُعدّ الموروث المرتبط بالزيتونة وزيتها في صفاقس تراثا ثقافيا لا ماديا بامتياز، لأنه يجمع بين المعرفة الشعبية والمهارة العملية والذاكرة الجماعية، ويعكس قدرة الإنسان على تحويل علاقة بسيطة بالأرض إلى ثقافة متجذرة في الزمن والحياة.

الزيتونة… جذور ضاربة في التاريخ


عرفت منطقة صفاقس غراسة الزيتون منذ العهدين القرطاجي والروماني، مستفيدة من طبيعة مناخها الجاف وتربتها الملائمة. ومع تعاقب الحضارات، توسعت غابات الزيتون حتى أصبحت الجهة واحدة من أهم المناطق المنتجة لزيت الزيتون في تونس والعالم.

ولم تكن الزيتونة مجرد شجرة للغذاء أو التجارة، بل ارتبطت بحياة الأهالي في الريف والمدينة. فكل عائلة تقريبا كانت تمتلك نصيبا من “الزياتين”، وتنتظر موسم الجني باعتباره حدثا اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا جامعا.

معارف متوارثة عبر الأجيال

من أبرز عناصر التراث اللامادي المرتبط بالزيتونة في صفاقس تلك المعارف التقليدية التي تناقلها الفلاحون جيلا بعد جيل، ومنها:
طرق غراسة الشتلات وتحديد المسافات المناسبة بينها.
أساليب تقليم الأشجار حسب عمرها وطبيعة الأرض.
معرفة توقيت الحرث والسقي ومقاومة الجفاف.
التمييز بين أنواع الزيتون وخصائص كل صنف.
تقنيات تخزين الزيت والمحافظة على جودته.
وقد كانت هذه المعارف تُكتسب بالممارسة اليومية داخل العائلة أو “الهنشير”، حيث يرافق الأطفال آباءهم وأجدادهم في الحقول منذ سن مبكرة.

موسم الجني… طقس اجتماعي بامتياز




يشكل موسم جني الزيتون في صفاقس مناسبة اجتماعية خاصة، إذ تتحول الحقول إلى فضاءات للتعاون والتآزر. وتتجمع العائلات منذ ساعات الصباح الأولى لبدء عملية “اللقاطة” أو “الجداد”، وسط أجواء تمتزج فيها الجدية بالفرح.
وترافق الموسم أهازيج وأغان شعبية تشجع العمال وتخفف مشقة العمل، كما تُحضَّر أكلات تقليدية مرتبطة بالمناسبة، مثل الخبز الساخن بزيت الزيتون الجديد، والعصيدة، وبعض الأطباق الريفية التي تعتمد على “الزيت الحار”.
وكان الأهالي يعتبرون أول قطرة زيت في الموسم بشارة خير وبركة، وتقام أحيانا طقوس بسيطة احتفالا بـ”الزيت الجديد”.

الزيتونة في الثقافة الشعبية الصفاقسية

حضور الزيتونة لا يقتصر على الفلاحة فقط، بل يمتد إلى الذاكرة الشعبية والأمثال والحكايات، مثل:
“الزيت عماد الدار”
“كيف الزيتونة… تعطي بالصبر”
“الدار اللي فيها زيت ما تجوعش”
كما حضرت الزيتونة في الشعر الشعبي والأغاني المحلية، باعتبارها رمزا للخير والثبات والارتباط بالأرض.

دور المرأة في الموروث الزيتوني









لعبت المرأة الصفاقسية دورا أساسيا في المحافظة على هذا التراث، سواء من خلال مشاركتها في الجني، أو إعداد الأطعمة التقليدية، أو تخزين الزيت والعناية بالمؤونة السنوية.
وكانت النساء أيضا ينقلن للأطفال كثيرا من العادات والمعارف المرتبطة بالموسم، ما ساهم في استمرارية هذا الإرث الثقافي.

عصر الزيتون في صفاقس: تراث لا مادي تختزن فيه الذاكرة والهوية

لا يمكن الحديث عن صفاقس دون استحضار رائحة زيت الزيتون التي تفوح مع كل موسم، ودون التوقف عند المعاصر التقليدية التي ظلت لعقود طويلة فضاءات نابضة بالحياة والعمل والذاكرة الجماعية. فعصر الزيتون في صفاقس لا يمثل مجرد نشاط فلاحي أو اقتصادي موسمي، بل يُعدّ منظومة ثقافية متكاملة تختزن معارف ومهارات وعادات اجتماعية متوارثة، ما يجعله جزءا أصيلا من التراث الثقافي اللامادي للجهة.
لقد نجحت صفاقس عبر تاريخها في بناء علاقة خاصة مع الزيتونة، لم تتوقف عند الغراسة والجني، بل امتدت إلى طرق العصر والتخزين والتعامل مع الزيت باعتباره “بركة الدار” ورمز الاستقرار والعيش الكريم

.

المعصرة التقليدية… فضاء اجتماعي وثقافي











في الذاكرة الصفاقسية، لم تكن المعصرة مجرد مكان لاستخراج الزيت، بل كانت فضاء اجتماعيا تتقاطع فيه العلاقات الإنسانية والخبرات الشعبية. فمع بداية الموسم، تتوافد العائلات والفلاحون إلى المعاصر حاملين محصولهم، وسط أجواء تختلط فيها رائحة الزيت الطازج بأصوات النقاش والحكايات.

وكانت المعاصر التقليدية تعتمد على وسائل بسيطة لكنها دقيقة، مثل الرحى الحجرية والضغط التقليدي، وهي تقنيات تطلبت معرفة متراكمة وخبرة طويلة في التعامل مع الزيتون وجودة الثمار ودرجات العصر.

وقد مثّلت هذه المهارات جزءا من “المعرفة الشعبية” التي انتقلت شفهيا وعمليا بين الأجيال، دون مدارس أو كتب، بل عبر الممارسة اليومية والمرافقة داخل الحقول والمعاصر.

طقوس موسمية تتجاوز البعد الاقتصادي

يتميّز موسم عصر الزيتون في صفاقس بطقوس اجتماعية وثقافية خاصة، تبدأ منذ الجني وتستمر داخل المعصرة. فالانتظار الطويل أحيانا أمام دور العصر كان يتحول إلى مناسبة لتبادل الأخبار والقصص والنصائح الفلاحية.

كما ارتبطت أولى قطرات الزيت الجديد بعادات رمزية، إذ تحرص بعض العائلات على تذوق “الزيت الجديد” مع الخبز الساخن، في مشهد يحمل معاني الخير والتفاؤل ببداية موسم مبارك.

وترافق الموسم أيضا أكلات تقليدية وأغانٍ شعبية وأمثال متوارثة، ما يجعل عملية العصر حدثا اجتماعيا متكاملا، لا مجرد مرحلة إنتاجية.

الزيت… عنصر في الهوية الصفاقسية

ساهم زيت الزيتون في تشكيل الهوية الغذائية والثقافية لصفاقس. فالزيت حاضر في أغلب الأطباق المحلية، كما ارتبط بالاقتصاد العائلي وبصورة “الدار العامرة”.

ولذلك اكتسبت عملية العصر بعدا رمزيا؛ فهي لحظة تحويل ثمرة الأرض إلى مادة تختزن معنى العمل والصبر والانتماء. ومن هنا ارتبطت المعصرة في المخيال الشعبي بقيم التعاون والبركة والكرم.

بين الأصالة والتحديث

شهد قطاع عصر الزيتون في صفاقس خلال العقود الأخيرة تحولات كبيرة بفعل التكنولوجيا الحديثة، حيث ظهرت المعاصر العصرية التي تعتمد أنظمة متطورة أكثر سرعة ونجاعة.

ورغم أهمية هذا التطور اقتصاديا وصحيا، فإنه طرح في المقابل سؤال المحافظة على الذاكرة التراثية المرتبطة بالمعاصر التقليدية. فالكثير من الطقوس القديمة بدأت تتراجع تدريجيا، كما اندثرت بعض الأدوات وأساليب العمل التقليدية.
غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية التراث، إذ يمكن التوفيق بين الحداثة والمحافظة على الموروث الثقافي، عبر توثيق المعارف القديمة، وحماية المعاصر التقليدية، وتحويل بعضها إلى فضاءات ثقافية وسياحية تعرف الأجيال الجديدة بتاريخ الزيتون في الجهة.

التراث اللامادي… حماية للذاكرة الجماعية

إن اعتبار عصر الزيتون تراثا لا ماديا يعني الاعتراف بأن القيمة الحقيقية لا تكمن فقط في المنتج النهائي، أي الزيت، بل أيضا في المعارف والمهارات والطقوس والعلاقات الاجتماعية المرتبطة به.
فالتراث اللامادي يشمل:
طرق العصر التقليدية.
المصطلحات المحلية الخاصة بالمهنة.
الأغاني والأمثال الشعبية المرتبطة بالموسم.
الخبرات الفلاحية المتوارثة.
العادات الاجتماعية داخل المعصرة.
طرق حفظ الزيت واستعماله.
وكلها عناصر تعكس هوية صفاقس الزراعية والثقافية عبر قرون طويلة.

نحو تثمين هذا الموروث

أصبح من الضروري اليوم العمل على تثمين هذا التراث من خلال:
توثيق شهادات كبار السن والعاملين في المعاصر التقليدية.
إدراج الموروث الزيتوني ضمن الأنشطة الثقافية والتربوية.
دعم السياحة الريفية المرتبطة بمواسم الزيتون.
المحافظة على بعض المعاصر القديمة باعتبارها جزءا من الذاكرة المحلية.
تشجيع الدراسات والأبحاث حول الثقافة الزيتونية بصفاقس.

يبقى عصر الزيتون في صفاقس أكثر من مجرد نشاط موسمي، فهو ذاكرة جماعية تختزل علاقة الإنسان بالأرض والعمل والزمن. وبين أصوات الرحى القديمة ولمعان الزيت الجديد، تتجسد ملامح تراث لا مادي حيّ، ما يزال يقاوم النسيان ويحافظ على مكانته في وجدان الصفاقسيين جيلا بعد جيل.

الزيتونة واستخراج زيتها بين التراث والرهانات الحديثة

رغم القيمة الحضارية الكبيرة للزيتونة، يواجه هذا الموروث اليوم عدة تحديات، منها:
التغيرات المناخية والجفاف.
تراجع اهتمام بعض الشباب بالعمل الفلاحي.
اندثار بعض المعاصر التقليدية.
التحولات الاقتصادية وأنماط العيش الحديثة.
لكن في المقابل، برزت مبادرات ثقافية وجمعياتية تهدف إلى تثمين التراث الزيتوني في صفاقس، من خلال المهرجانات والمعارض والترويج للسياحة الريفية وربط زيت الزيتون بالهوية الثقافية للجهة وفي هذا المجال نذكر جمعية تونس الزيتونة ومهرجانها الدولي للزيتونة بصفاقس ذي الأبعاد الثقافية والسياحية والعلمية

تراث حي يستحق الحماية

إن الحديث عن الزيتونة وزيتها في صفاقس ليس حديثا عن شجرة ومادة عذائبة فقط، بل عن منظومة كاملة من المعارف والمهارات والعلاقات الاجتماعية والممارسات الثقافية التي شكلت وجدان الأهالي عبر قرون. ولذلك فإن الحفاظ على هذا التراث اللامادي لا يقتصر على حماية الأشجار، بل يشمل أيضا توثيق الذاكرة الشعبية والمعارف التقليدية المرتبطة بها، حتى تبقى الزيتونة رمزا متجددا للأرض والهوية والحياة في صفاقس.

السبت، 16 مايو 2026

لمحة تاريخية عن حرفة الحدادة في صفاقس وقراءة في جمالية الشبابيك "السجل البصري" الذي يروي تاريخ مدينة متوسطية بامتياز


 

تعدّ حرفة الحدادة التقليدية في مدينة صفاقس واحدة من أعرق الحرف اليدوية التي ميزت النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمدينة العتيقة عبر القرون. لقد كانت هذه الحرفة عصب الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية المحيطة بها، وتوارثتها عائلات صفاقسية أبا عن جد، محتفظة بأسرارها وتقنياتها داخل أسوار المدينة.

ارتبطت الحدادة في صفاقس ارتباطاً وثيقاً بنشاطين أساسيين: الفلاحة (خاصة زراعة الزيتون) والعمارة والبناء.وكان للحرفيين قديماً دكاكين بنهج الحدادين، ثم تحول ثقل هذه الحرفة إلى ما يُعرف اليوم بـ "سوق الحدادين" (الذي كان خاناً حتى عشرينات القرن العشرين). هذا السوق كان يعج بالحركة والأصوات المتناغمة لطرق المعادن.

الأدوات المعتمدة في الحرفة 

اعتمد الحداد الصفاقسي على أدوات عريقة مثل:
الكُور (المجمرة): لإيقاد الفحم وإحماء قطع الحديد حتى تحمرّ وتلين.
السندان (ويسمى محلياً "الزَّبْرة"): الكتلة الحديدية الضخمة المثبتة على جذع خشبي سميك ("قرمة") والتي يُطرق فوقها المعدن.
الكلاب والملاقط والمرازب (المطارق الثقيلة).

المنتجات المبتكرة 

لقد تنوعت المنتجات لتغطي كافة الاحتياجات؛ ففي الفلاحة صنعوا أدوات الحفر والتقليم، وفي البناء تميزوا بصناعة الشبابيك الحديدية المزخرفة للمنازل العتيقة (الدربوز)، والرفوف، والمفصلات، والمطارق، والأقفال، والمسامير المقبّبة الكبيرة التي تزين الأبواب الخشبية الضخمة لقصور المدينة، فضلاً عن حدوات الأحصنة والسكاكين.

الشبابيك الحديدية كتحف فنية



شبابيك الحديد في ديار ومعالم المدينة العتيقة بصفاقس تجسيد لمزيج فريد وتلاقح حضاري، حيث تجتمع فيها عناصر التأثير المحلي، والشرقي، والأندلسي، والأوروبي بشكل متناغم، وهو ما يميز عمارة مدينة صفاقس.


الخصوصيات الفنية والوظيفية للمشبك الصفاقسي

وظيفياً صممت في المقام الأول لتوفير الأمان والخصوصية (الحرمة)، حيث تسمح لأهل الدار بالنظر إلى الخارج دون أن يراهم أحد من المارة، وهي فكرة شرقية أصيلة. وفنياً تعتمد على تقنية الحديد المبروم (Mabroum) التي يتميز بها حدادو صفاقس . الشكل المقوس في المنتصف يُعطي عمقاً للنظر ويُسمى "القعدة".

عناصر التأثير الحضاري المتداخلة

الطابع المحلي المحض (الخصوصية الصفاقسية)يتضح في بعض المشابك ذات الشبكات الهندسية القوية والعملية التي تهدف للأمان فقط، مع قعدة بسيطة لوضع النباتات العطرية، كما الشبكات المربعة المستقرة. هذا يُظهر الروح العملية لأهل المدينة كما يتجسد التأثير الأندلسي في التناظر المتقن، والزخارف الملتوية المعقدة (Volutes) التي تُشبه الخطوط الكوفية أو التوريق النباتي، هذا يربط المدينة بمهارة الحرفيين الأندلسيين الذين استقروا في تونس.


في بعض المشابك، يطغى الطابع العثماني الذي يفضل الشبكات الهندسية الأكثر بساطة وتكراراً للأشكال المربعة أو المعينة، والتي تُعطي شعوراً بالقوة والوظيفة الأمنية، كما في النماذج ذات الشبكات المربعة المنتظمة.


مع دخول فترة الحماية الفرنسية وبناء "المدينة العصرية" خارج الأسوار، بدأ الحرفيون يتأثرون بفن "الحديد المطروق" الأوروبي (Fer Forgé) ذي الزخارف الأكثر حرية ونعومة، مثل أشكال الأوراق المنحوتة والتفاصيل الدقيقة التي تبدو أكثر زخرفية منها أمنية

المشابك الصفاقسية كما ذكرنا ليست مجرد قطع حديدية، بل هي "سجل بصري" يروي تاريخ مدينة صفاقس المتوسطية. فهي تجمع بين الرغبة في الحفاظ على الخصوصية العربية-الشرقية، والمهارة الزخرفية الأندلسية، والتأثيرات العملية العثمانية، ثم التحديث الأوروبي، لتنتج طابعاً "صفاقسياً" هجيناً
وأصيلاً في آن واحد
.
مقال للكاتب الإعلامي محمد المنجة
....










خدمات النزل والإقامة في صفاقس
. .

 

 خدمات سياحية في صفاقس

. .
... ...... .... Recent Posts Widget .

الأربعاء، 13 مايو 2026

بين القلعة، والقصر، والدار: رحلة في متاحف صفاقس الثلاثة.


تستلقي مدينة صفاقس على سواحل المتوسط لا كقطب اقتصادي فحسب، بل كخزان حي للذاكرة التونسية التي تأبى النسيان. ومن قلب أسوارها العتيقة وصولاً إلى شوارع مدينتها العصرية، تنتصب ثلاثة صروح متحفية تشكل معاً "مثلثاً حضارياً" يروي حكاية الإنسان فوق هذه الأرض.

تبدأ الرحلة من متحف القصبة للعمارة التقليدية، الرابط في الزاوية الجنوبية الغربية للسور، حيث تخبرنا أحجاره وأبراجه عن عبقرية البناء العسكري والمدني الذي حصّن المدينة لقرون. ومن هيبة العمارة، ننتقل إلى المتحف الأثري ببلدية صفاقس، الذي ينبض في قلب المدينة العصرية ليفتح لنا نوافذ مذهلة على العهد الروماني بكنوزه الفسيفسائية النادرة التي استُخرجت من أعماق "طينا" و"طابارورا". وختام الجولة يكون في حضرة الجمال والأناقة بـ متحف دار الجلولي، ذلك القصر العريق الذي يختزل في غرفه وصحنه المرمري تفاصيل الحياة اليومية والترف الاجتماعي للعائلات الصفاقسية الكبرى.

في هذا المقال، نسير في دروب هذه المتاحف الثلاثة، لنكتشف كيف يجتمع الحجر والفسيفساء والحرير ليصيغوا معاً هوية مدينة لا تشبه إلا نفسها.

متحف العمارة التقليدية (القصبة)







يعتبر متحف العمارة التقليدية بصفاقس (القصبة) من أهم المعالم التي تبرز العبقرية الهندسية للمعماري الصفاقسي، حيث تم اختياره ليكون فضاءً تعليمياً وتاريخياً يشرح "كيف بُنيت صفاقس".

افتتح المتحف رسمياً في أواخر الثمانينيات (1988م) بعد عمليات ترميم شاملة للقصبة (الحصن العسكري القديم).تشرف عليه وزارة الشؤون الثقافية من خلال المعهد الوطني للتراث. تم استغلال الموقع العسكري الاستراتيجي للقصبة لتحويله إلى مزار ثقافي يوثق تقنيات البناء.

على عكس دار الجلولي التي تهتم بالأثاث واللباس، يركز هذا المتحف على الهياكل والمواد والتقنيات:

أ. الأجنحة المعمارية:
جناح تقنيات البناء: يعرض الأدوات اليدوية القديمة التي استخدمها البنّاء (المعلم) في تشييد الأسوار والقباب، مثل "المناجل" و"الموازين" والمساطر الخشبية.

جناح المواد: يقدم عينات من "الحجر الكدال" و"الجير" والآجر التقليدي، ويشرح كيفية خلط المواد لضمان صمود الجدران لقرون.

جناح الزخرفة المعمارية: يركز على "النقش حديدة" (الجبس) وكيفية نحت الأشكال الهندسية والنباتية التي تزين واجهات البيوت ومحاريب المساجد.

ب. العناصر المعمارية الصغرى:
الأبواب والشبابيك: يضم المتحف نماذج حقيقية للأبواب الصفاقسية الضخمة المصنوعة من خشب "العرعار" أو "الساج"، ويشرح دلالات المسامير الموزعة عليها.

المناور (الشيشان): يعرض كيف صمم المعماري الصفاقسي فتحات التهوية والإضاءة العلوية التي تسمح بدخول الضوء دون المساس بخصوصية البيت.

ج. الأبراج والأسوار (المسار المفتوح):
يمكن للزائر الصعود إلى أبراج القصبة لمشاهدة السور من الأعلى، مما يوفر رؤية بانورامية لـ "عمارة الأسوار" وكيفية اتصالها بالأبراج الدفاعية.

تجدر الإشارة الى أن بناء النواة الأولى للقصبة التي تضم المتحف تعود إلى القرن التاسع الميلادي (الفترة الأغلبية)، وكانت تمثل الحصن الدفاعي الرئيسي للمدينة ومقر الوالي أو القائد العسكري.

المتحف الأثري بصفاقس




يُعد المتحف الأثري بصفاقس أحد أهم الصروح الثقافية في تونس، حيث يتربع في قلب المدينة العصرية، شاغلاً جزءاً من قصر بلدية صفاقس، ليجمع بين جمال العمارة الحديثة وعراقة التاريخ الضارب في القدم.

الموقع والنشأة: تلاحم الأصالة والحداثة
ينتصب المتحف في موقع استراتيجي يربط بين تاريخ صفاقس وحاضرها. وقد شهد مؤخراً عمليات تحسين وتجميل شاملة ستجعل من زيارته تجربة بصرية ومعرفية ممتعة،

يتميز المتحف بشمولية مجموعاته التي تغطي كافة الحقب التاريخية التي مرت بها تونس:
عصور ما قبل التاريخ: يحتضن المتحف لقى أثرية نادرة تعود إلى تلك الفترة البعيدة، تم استقدامها من مناطق السباسب بالغرب التونسي.

العهد الروماني (درة المجموعات): يمثل هذا العهد الجانب الأكبر والأغنى في المتحف، حيث يضم مجموعات ضخمة من اللوحات الفسيفسائية واللقى التي تعكس رفاهية تلك الحقبة.

العهود الإسلامية والحديثة: لا يغفل المتحف العهد الإسلامي الأول وصولاً إلى الفترات التي حكمت فيها السلالات المحلية، موثقاً تطور الهوية التونسية عبر الزمن.

أهم المصادر الأثرية للمتحف
تأتي معظم كنوز هذا المتحف من مواقع أثرية محيطة بمدينة صفاقس، مما يجعله المتحف المرجعي الأول لإقليم الجنوب الشرقي:

موقع "طينا" (Thaenae): يقع على بعد 12 كم جنوب صفاقس، وهو المصدر الأساسي لأروع لوحات الفسيفساء المعروضة.

موقع "تبرورة": وهي مدينة صفاقس القديمة التي تمد المتحف بلقى توثق للجذور الأولى للمدينة.

مواقع أخرى: مثل اللوزة والمحرس، والتي ساهمت في إثراء المخزون الأثري بقطع فخارية ونقوش جنائزية.

أهم اللوحات الفسيفسائية

"ميدوزا" (Medusa)، تعود هذه اللوحة إلى إحدى الديار الرومانية الفاخرة في مدينة "طينا" (Thaenae) القديمة،

"أسد طينا" (Le Lion de Thaenae) تعد نموذجاً للوحات الأرضية التي كانت تزين القصور الفاخرة في مدينة "طينا" الأثرية. التي كانت تعتبر ثاني أهم مدينة في المنطقة بعد قرطاج من حيث الثراء المعماري.

"أوقيانوس" (Oceanus)، تعكس الارتباط الوثيق لسكان "طينة القدامى بالبحر الأبيض المتوسط،

متحف دار الجلولي بالمدينة العتيقة







يُعد متحف دار الجلولي بالمدينة العتيقة بصفاقس أحد أهم المعالم التاريخية التي توثق نمط الحياة التقليدية في تونس، وإليك لمحة عن هذا المعلم:

نتصب المتحف في قلب المدينة العتيقة بصفاقس، وهو في الأصل منزل خاص بني في القرن الثامن عشر (عام 1700 م ).يتميز المبنى بطراز معماري أندلسي مغاربي فريد، حيث يضم ساحة داخلية (وسط الدار) تحيط بها غرف تتميز بالأقواس المتجاوزة والزخارف الخزفية الملونة والأسقف الخشبية المنقوشة.

تم تحويل الدار إلى متحف للعادات والتقاليد الشعبية (إثنوغرافيا)، ليكون شاهداً على الذاكرة الاجتماعية لأهل المدينة.

تعود انتساب الدار إلى عائلة "الجلولي" العريقة، وهي عائلة مخزنية لعبت أدواراً سياسية واقتصادية هامة في تاريخ تونس. . كانت الدار مقراً لسكن قياد (ولاة) صفاقس من عائلة الجلولي، الذين تولوا هذا المنصب لفترات طويلة خلال العهد المرادي والعهد الحسيني.

مكونات المتحف

يضم المتحف مجموعات متنوعة تشمل:
اللباس التقليدي: الملابس المطرزة الخاصة بالأفراح والمناسبات (مثل السفساري).
الحلي والمجوهرات: إبداعات الحرفيين في صياغة الفضة والذهب.
أدوات المهن: الأدوات التقليدية التي كانت تُستخدم في التجارة والبناء والحياة اليومية.

يمثل المتحف جزءاً حيوياً من التراث الثقافي لصفاقس، حيث يعكس الرفاهية المعمارية والذوق الفني الذي ميز العائلات الصفاقسية العريقة عبر العصور.
الكاتب : محمد المنجة

Articles les plus consultés