منذ قرون طويلة، ارتبطت صفاقس بشجرة الزيتون ارتباطا جعلها تتجاوز مكانتها كشجرة مثمرة لتصبح جزءا من الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية للجهة. فالزيتونة في صفاقس ليست مجرد مورد فلاحي أو اقتصادي، بل هي عالم متكامل من المعارف والمهارات والممارسات والعادات الاجتماعية التي توارثتها الأجيال جيلا بعد جيل. ومن غراسة الأشجار والعناية بها، إلى مواسم الجني وطقوس عصر الزيتون داخل المعاصر التقليدية، تشكلت ثقافة زيتونية خاصة صنعت ملامح الحياة اليومية للصفاقسيين ورسخت علاقتهم بالأرض والعمل والتعاون.
وقد لعب زيت الزيتون بدوره مكانة محورية في هذه المنظومة التراثية، إذ لم يكن مجرد مادة غذائية، بل رمزا للخير والبركة والاستقرار، وحاضرا في المائدة الشعبية والعادات الاجتماعية والأمثال والأغاني المرتبطة بالموسم. لذلك يُعدّ الموروث المرتبط بالزيتونة وزيتها في صفاقس تراثا ثقافيا لا ماديا بامتياز، لأنه يجمع بين المعرفة الشعبية والمهارة العملية والذاكرة الجماعية، ويعكس قدرة الإنسان على تحويل علاقة بسيطة بالأرض إلى ثقافة متجذرة في الزمن والحياة.
الزيتونة… جذور ضاربة في التاريخ
عرفت منطقة صفاقس غراسة الزيتون منذ العهدين القرطاجي والروماني، مستفيدة من طبيعة مناخها الجاف وتربتها الملائمة. ومع تعاقب الحضارات، توسعت غابات الزيتون حتى أصبحت الجهة واحدة من أهم المناطق المنتجة لزيت الزيتون في تونس والعالم.
ولم تكن الزيتونة مجرد شجرة للغذاء أو التجارة، بل ارتبطت بحياة الأهالي في الريف والمدينة. فكل عائلة تقريبا كانت تمتلك نصيبا من “الزياتين”، وتنتظر موسم الجني باعتباره حدثا اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا جامعا.
معارف متوارثة عبر الأجيال
من أبرز عناصر التراث اللامادي المرتبط بالزيتونة في صفاقس تلك المعارف التقليدية التي تناقلها الفلاحون جيلا بعد جيل، ومنها:
طرق غراسة الشتلات وتحديد المسافات المناسبة بينها.
أساليب تقليم الأشجار حسب عمرها وطبيعة الأرض.
معرفة توقيت الحرث والسقي ومقاومة الجفاف.
التمييز بين أنواع الزيتون وخصائص كل صنف.
تقنيات تخزين الزيت والمحافظة على جودته.
وقد كانت هذه المعارف تُكتسب بالممارسة اليومية داخل العائلة أو “الهنشير”، حيث يرافق الأطفال آباءهم وأجدادهم في الحقول منذ سن مبكرة.
موسم الجني… طقس اجتماعي بامتياز
يشكل موسم جني الزيتون في صفاقس مناسبة اجتماعية خاصة، إذ تتحول الحقول إلى فضاءات للتعاون والتآزر. وتتجمع العائلات منذ ساعات الصباح الأولى لبدء عملية “اللقاطة” أو “الجداد”، وسط أجواء تمتزج فيها الجدية بالفرح.
وترافق الموسم أهازيج وأغان شعبية تشجع العمال وتخفف مشقة العمل، كما تُحضَّر أكلات تقليدية مرتبطة بالمناسبة، مثل الخبز الساخن بزيت الزيتون الجديد، والعصيدة، وبعض الأطباق الريفية التي تعتمد على “الزيت الحار”.
وكان الأهالي يعتبرون أول قطرة زيت في الموسم بشارة خير وبركة، وتقام أحيانا طقوس بسيطة احتفالا بـ”الزيت الجديد”.
الزيتونة في الثقافة الشعبية الصفاقسية
حضور الزيتونة لا يقتصر على الفلاحة فقط، بل يمتد إلى الذاكرة الشعبية والأمثال والحكايات، مثل:
“الزيت عماد الدار”
“كيف الزيتونة… تعطي بالصبر”
“الدار اللي فيها زيت ما تجوعش”
كما حضرت الزيتونة في الشعر الشعبي والأغاني المحلية، باعتبارها رمزا للخير والثبات والارتباط بالأرض.
دور المرأة في الموروث الزيتوني
لعبت المرأة الصفاقسية دورا أساسيا في المحافظة على هذا التراث، سواء من خلال مشاركتها في الجني، أو إعداد الأطعمة التقليدية، أو تخزين الزيت والعناية بالمؤونة السنوية.
وكانت النساء أيضا ينقلن للأطفال كثيرا من العادات والمعارف المرتبطة بالموسم، ما ساهم في استمرارية هذا الإرث الثقافي.
عصر الزيتون في صفاقس: تراث لا مادي تختزن فيه الذاكرة والهوية
لا يمكن الحديث عن صفاقس دون استحضار رائحة زيت الزيتون التي تفوح مع كل موسم، ودون التوقف عند المعاصر التقليدية التي ظلت لعقود طويلة فضاءات نابضة بالحياة والعمل والذاكرة الجماعية. فعصر الزيتون في صفاقس لا يمثل مجرد نشاط فلاحي أو اقتصادي موسمي، بل يُعدّ منظومة ثقافية متكاملة تختزن معارف ومهارات وعادات اجتماعية متوارثة، ما يجعله جزءا أصيلا من التراث الثقافي اللامادي للجهة.
لقد نجحت صفاقس عبر تاريخها في بناء علاقة خاصة مع الزيتونة، لم تتوقف عند الغراسة والجني، بل امتدت إلى طرق العصر والتخزين والتعامل مع الزيت باعتباره “بركة الدار” ورمز الاستقرار والعيش الكريم
المعصرة التقليدية… فضاء اجتماعي وثقافي
في الذاكرة الصفاقسية، لم تكن المعصرة مجرد مكان لاستخراج الزيت، بل كانت فضاء اجتماعيا تتقاطع فيه العلاقات الإنسانية والخبرات الشعبية. فمع بداية الموسم، تتوافد العائلات والفلاحون إلى المعاصر حاملين محصولهم، وسط أجواء تختلط فيها رائحة الزيت الطازج بأصوات النقاش والحكايات.
وكانت المعاصر التقليدية تعتمد على وسائل بسيطة لكنها دقيقة، مثل الرحى الحجرية والضغط التقليدي، وهي تقنيات تطلبت معرفة متراكمة وخبرة طويلة في التعامل مع الزيتون وجودة الثمار ودرجات العصر.
وقد مثّلت هذه المهارات جزءا من “المعرفة الشعبية” التي انتقلت شفهيا وعمليا بين الأجيال، دون مدارس أو كتب، بل عبر الممارسة اليومية والمرافقة داخل الحقول والمعاصر.
طقوس موسمية تتجاوز البعد الاقتصادي
يتميّز موسم عصر الزيتون في صفاقس بطقوس اجتماعية وثقافية خاصة، تبدأ منذ الجني وتستمر داخل المعصرة. فالانتظار الطويل أحيانا أمام دور العصر كان يتحول إلى مناسبة لتبادل الأخبار والقصص والنصائح الفلاحية.
كما ارتبطت أولى قطرات الزيت الجديد بعادات رمزية، إذ تحرص بعض العائلات على تذوق “الزيت الجديد” مع الخبز الساخن، في مشهد يحمل معاني الخير والتفاؤل ببداية موسم مبارك.
وترافق الموسم أيضا أكلات تقليدية وأغانٍ شعبية وأمثال متوارثة، ما يجعل عملية العصر حدثا اجتماعيا متكاملا، لا مجرد مرحلة إنتاجية.
الزيت… عنصر في الهوية الصفاقسية
ساهم زيت الزيتون في تشكيل الهوية الغذائية والثقافية لصفاقس. فالزيت حاضر في أغلب الأطباق المحلية، كما ارتبط بالاقتصاد العائلي وبصورة “الدار العامرة”.
ولذلك اكتسبت عملية العصر بعدا رمزيا؛ فهي لحظة تحويل ثمرة الأرض إلى مادة تختزن معنى العمل والصبر والانتماء. ومن هنا ارتبطت المعصرة في المخيال الشعبي بقيم التعاون والبركة والكرم.
بين الأصالة والتحديث
شهد قطاع عصر الزيتون في صفاقس خلال العقود الأخيرة تحولات كبيرة بفعل التكنولوجيا الحديثة، حيث ظهرت المعاصر العصرية التي تعتمد أنظمة متطورة أكثر سرعة ونجاعة.
ورغم أهمية هذا التطور اقتصاديا وصحيا، فإنه طرح في المقابل سؤال المحافظة على الذاكرة التراثية المرتبطة بالمعاصر التقليدية. فالكثير من الطقوس القديمة بدأت تتراجع تدريجيا، كما اندثرت بعض الأدوات وأساليب العمل التقليدية.
غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية التراث، إذ يمكن التوفيق بين الحداثة والمحافظة على الموروث الثقافي، عبر توثيق المعارف القديمة، وحماية المعاصر التقليدية، وتحويل بعضها إلى فضاءات ثقافية وسياحية تعرف الأجيال الجديدة بتاريخ الزيتون في الجهة.
التراث اللامادي… حماية للذاكرة الجماعية
إن اعتبار عصر الزيتون تراثا لا ماديا يعني الاعتراف بأن القيمة الحقيقية لا تكمن فقط في المنتج النهائي، أي الزيت، بل أيضا في المعارف والمهارات والطقوس والعلاقات الاجتماعية المرتبطة به.
فالتراث اللامادي يشمل:
طرق العصر التقليدية.
المصطلحات المحلية الخاصة بالمهنة.
الأغاني والأمثال الشعبية المرتبطة بالموسم.
الخبرات الفلاحية المتوارثة.
العادات الاجتماعية داخل المعصرة.
طرق حفظ الزيت واستعماله.
وكلها عناصر تعكس هوية صفاقس الزراعية والثقافية عبر قرون طويلة.
نحو تثمين هذا الموروث
أصبح من الضروري اليوم العمل على تثمين هذا التراث من خلال:
توثيق شهادات كبار السن والعاملين في المعاصر التقليدية.
إدراج الموروث الزيتوني ضمن الأنشطة الثقافية والتربوية.
دعم السياحة الريفية المرتبطة بمواسم الزيتون.
المحافظة على بعض المعاصر القديمة باعتبارها جزءا من الذاكرة المحلية.
تشجيع الدراسات والأبحاث حول الثقافة الزيتونية بصفاقس.
يبقى عصر الزيتون في صفاقس أكثر من مجرد نشاط موسمي، فهو ذاكرة جماعية تختزل علاقة الإنسان بالأرض والعمل والزمن. وبين أصوات الرحى القديمة ولمعان الزيت الجديد، تتجسد ملامح تراث لا مادي حيّ، ما يزال يقاوم النسيان ويحافظ على مكانته في وجدان الصفاقسيين جيلا بعد جيل.
الزيتونة واستخراج زيتها بين التراث والرهانات الحديثة
رغم القيمة الحضارية الكبيرة للزيتونة، يواجه هذا الموروث اليوم عدة تحديات، منها:
التغيرات المناخية والجفاف.
تراجع اهتمام بعض الشباب بالعمل الفلاحي.
اندثار بعض المعاصر التقليدية.
التحولات الاقتصادية وأنماط العيش الحديثة.
لكن في المقابل، برزت مبادرات ثقافية وجمعياتية تهدف إلى تثمين التراث الزيتوني في صفاقس، من خلال المهرجانات والمعارض والترويج للسياحة الريفية وربط زيت الزيتون بالهوية الثقافية للجهة وفي هذا المجال نذكر جمعية تونس الزيتونة ومهرجانها الدولي للزيتونة بصفاقس ذي الأبعاد الثقافية والسياحية والعلمية
تراث حي يستحق الحماية
إن الحديث عن الزيتونة وزيتها في صفاقس ليس حديثا عن شجرة ومادة عذائبة فقط، بل عن منظومة كاملة من المعارف والمهارات والعلاقات الاجتماعية والممارسات الثقافية التي شكلت وجدان الأهالي عبر قرون. ولذلك فإن الحفاظ على هذا التراث اللامادي لا يقتصر على حماية الأشجار، بل يشمل أيضا توثيق الذاكرة الشعبية والمعارف التقليدية المرتبطة بها، حتى تبقى الزيتونة رمزا متجددا للأرض والهوية والحياة في صفاقس.





















ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق