الأربعاء، 3 يونيو 2026

جنان صفاقس أيام زمان .. حيث يزهر اللوز (الزلوز) وتفوح رائحة الملبس والروزاطة والأصالة


 

يمثل قطاع اللوز (الزلوز)  في صفاقس إرثاً فلاحياً وثقافياً عريقاً؛ فإلى جانب الزيتون، شكّلت شجرة اللوز العمود الفقري لـ "الجنان الصفاقسي" لقرون، وصاغت جزءاً هاماً من الهوية الحياتية والغذائية للمنطقة.

1. تاريخ الغراسة في "الجنان الصفاقسي"

تعتمد الفلاحة التقليدية في صفاقس على نظام "الجنان"، وهو نمط ذكي من الفلاحة الجافة والشبه جافة.

  • التكامل الهيكلي: لم يكن اللوز يغرس بشكل عشوائي، بل كان يزرع كـ "ثقافة بينية" في الجنان والبورة  للاستفادة القصوى من المساحة والمياه المتاحة.

  • الاعتماد على الأمطار (البعلي): تميزت غراسة اللوز بـ "المُغارسة" التقليدية، حيث طوّر أهالي صفاقس مهارات فائقة في توجيه مياه الأمطار عبر "المساقي" و"العناقيد" لترتوي الأشجار وتتحمل فترات الجفاف الصيفية القاسية.

2. أصناف اللوز الصفاقسي

تتنوع الأصناف المزروعة في صفاقس لتلبي الاحتياجات المختلفة، سواء للاستهلاك الطازج أو لصناعة الحلويات، ومن أشهرها:

  • العشاق الزحاف الفخفاخ : من أجود الأنواع المحلية،تتميز بنكهتها الغنية، وهي المفضلة في صناعة الحلويات الراقية.ا







3. طقوس الصيف: التقشير والتجفيف في "البرج"

يرتبط موسم جني اللوز في صفاقس (أواخر الصيف) برحلة العائلات من المدينة العتيقة إلى "البرج" (المسكن الصيفي في الجنان)، حيث تحولت عملية تحضير اللوز إلى طقس اجتماعي دافئ.

  • "التقشير" الجماعي: تجتمع العائلات والجيران في ساحة البرج الشاسعة (الوسطية) لإزالة القشرة الخضراء الخارجية للوز (تسمى محلياً عملية "التقشير").

  • التجفيف: بعد التقشير، يُنشر اللوز ذو القشرة الخشبية تحت أشعة الشمس الحارقة فوق أسطح البرج أو في "الرّحبة" لأسابيع حتى يجف تماماً، مما يضمن تخزينه طوال العام دون أن يتلف.



4. اللوز في المطبخ الصفاقسي: الحلويات والروزاطة

يُعد اللوز المكون السحري والأساسي لأفراح ومناسبات صفاقس، وتحتل مشتقاته مكانة مرموقة:

الحلويات الصفاقسية




تعتمد أرقى الحلويات التقليدية على اللوز الصافي كمادة أولية:

  • الملبس الصفاقسي: حبات اللوز الفاخرة المغطاة بطبقة بيضاء رقيقة ومقرمشة من السكر المنسم بماء الزهر، وهي رمز الأفراح.

  • البقلاوة والكعك والبجاوية : تعتمد بالأساس على جودة اللوز المفروم ناعماً أو خشناً.

  •  اللكلوكة  تزين باللوز المهروش و الجلجلان  و نصف حبة لوز من الجانبين  

الروزاطة (مشروب اللوز)

المشروب الرسمي للترحيب بالضيوف في الاحتفالات؛ وهو سائل أبيض مركز يُصنع من عصر اللوز الحلو مع نسبة قليلة من اللوز المر (لإعطاء النكهة المميزة) والسكر وماء الزهر، ثم يُخفف بالماء البارد والثلج عند التقديم.

5. واقع القطاع: التراجع وسبل التطوير

رغم هذه العراقة، يواجه قطاع اللوز في صفاقس حالياً تحديات هيكلية أدت إلى تراجع الإنتاج.

أسباب التراجع

  1. التغيرات المناخية: توالي سنوات الجفاف الحاد وانحباس الأمطار، مما أثر مباشرة على غراسات اللوز البعلي (المطري).

  2. الزحف العمراني: توسع المدينة على حساب "الجنان" التاريخية المحيطة بها.

  3. شيخوخة الغابات: هرم العديد من الأشجار التقليدية وعدم تجديد الغراسات بانتظام.

  4. الآفات الفلاحية: انتشار الأمراض والحشرات السوسية التي تصيب الأخشاب والثمار في غياب الإحاطة الكافية.

سبل تطوير القطاع

لإعادة البريق لهذا القطاع الحيوي، يوصي الخبراء والمختصون بعدة آليات:

  • إدخال الري التكميلي القائم على اقتصاد المياه: الاعتماد على تقنيات الري بقطرة قطرة في الفترات الحرجة من نمو الثمرة (الربيع والصيف) عبر استغلال الآبار السطحية أو مياه المعالجة الثلاثية.

  • التجديد وإعادة الهيكلة: قلع الأشجار الهرمة واستبدالها بأصناف جديدة تجمع بين التأقلم مع الجفاف والإنتاجية العالية والمقاومة للأمراض.

  • تثمين المنتج ونيل علامات الجودة: تشجيع الفلاحين على تعليب وتصنيع اللوز محلياً، والحصول على "تسمية أصل مراقبة" (AOC) للوز الصفاقسي لرفع قيمته التسويقية داخلياً وخارجياً.

  • دعم وتأطير الفلاحين: تفعيل دور الإرشاد الفلاحي وتوفير حوافز مالية لتشجيع الشباب على الاستثمار في إحياء "الجنان" بروح عصرية.

  • الكاتب الإعلامي محمد المنجة 

.....










خدمات النزل والإقامة في صفاقس
. .

 

 خدمات سياحية في صفاقس

. .
... ...... .... Recent Posts Widget .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Articles les plus consultés