الثلاثاء، 2 يونيو 2026

بين زرقة البحر وعبق التاريخ في قرقنة : رحلة استكشافية لبرج الحصار الأسطوري


 

تعتبر جزر قرقنة، الرابضة في خليج قابس بالجنوب الشرقي التونسي، متحفاً طبيعياً وتاريخياً مفتوحاً. وفي قلب هذا الأرخبيل، يبرز  "برج الحصار" (أو حصن قرقنة الأثري) كأحد أهم المعالم التاريخية المصنفة من قبل المعهد الوطني للتراث، شاهداً على تعاقب الحضارات وأهمية الجزر الاستراتيجية عبر العصور.

في هذا المقال، نسلط الضوء على القيمة التاريخية والمعمارية لبرج الحصار، ونستكشف رؤية مستدامة لاستغلاله سياحياً بما يضمن الحفاظ على خصوصية الجزيرة وبيئتها الهشة.

يقع برج الحصار في الجزء الجنوبي الغربي من جزيرة الغربي (إحدى جزيرتي الأرخبيل الرئيسيتين)، بالقرب من منطقة "سيدي فرج". وتعود جذور هذا الموقع إلى العهد الروماني، حيث بُني الحصن فوق أنقاض المدينة الأثرية الرومانية القديمة "قرشينة" (Cercina)، والتي كانت مرفأً تجارياً وعسكرياً حيوياً في البحر الأبيض المتوسط.

  • العهد الروماني: استغل الرومان الموقع كحصن دفاعي ونقطة مراقبة بحرية متقدمة لحماية الخطوط التجارية.

  • العهد الإسلامي والوسيط: أدرك الفاتحون والدوائر الحاكمة المتلاحقة أهمية الموقع، فتمت إعادة تحصينه وترميمه في العهد الأغليبي والفاطمي لمواجهة الغزوات البحرية (خاصة النورماندية).

  • العهد العثماني: شهد الحصن أخر التعديلات المعمارية الكبرى وتدعيم الأسوار، ليأخذ شكله الحالي كبرج دفاعي عسكري يضم غرفاً للجنود، ومخازن للمؤونة، ومرابط للخيل، إضافة إلى مواجل (خزانات) لتجميع مياه الأمطار.

مضموناً، يتميز البرج بأسواره السميكة المبنية من الحجارة المحلية المحفورة، وأبراجه الدائرية والمربعة التي تمنح الزائر إطلالة بانورامية ساحرة تجمع بين عراقة التاريخ وامتداد البحر الأزرق.

إن وجود برج الحصار في بيئة جزيرية كجزر قرقنة يمنحه سحراً خاصاً، ولكنه يفرز أيضاً تحديات دقيقة:

  • العزلة الجغرافية: الاعتماد على النقل البحري (اللود) يحد من التدفق العشوائي للسياح، وهو أمر إيجابي للمحافظة على المكان، لكنه يتطلب تخطيطاً دقيقاً للخدمات.

  • الهشاشة البيئية: تعاني قرقنة من حساسية بيئية تجاه التغيرات المناخية وزحف البحر، مما يجعل أي تدخل إنشائي في محيط الأثر بحاجة لدراسات معمقة.

الهدف الأساسي ليس تحويل البرج إلى وجهة للسياحة الجماعية المستهلكة، بل توظيفه في إطار سياحة ثقافية، بيئية، ومسؤولة تعود بالنفع على المجتمع المحلي وتحافظ على الإرث الأثري. ويمكن تحقيق ذلك عبر المحاور التالية:

بدلاً من تركه معلماً صامتاً، يمكن تهيئة الغرف الداخلية للحصن (دون المساس بهيكلها الأثري) لتضم معارض رقمية ومجسمات تشرح تاريخ البرج ومدينة "قرشينة" الرومانية. كما يمكن تخصيص جناح يعرض التراث اللامادي لقرقنة، مثل طريقة الصيد التقليدية المستدامة المشهورة عالمياً (الشرفية)، وصناعة الحلفاء والنسيج.

بفضل موقعه المطل على البحر مباشرة، يعد برج الحصار مكاناً مثالياً لتطوير أنشطة سياحية ذات تأثير بيئي منخفض جداً:

  • مسارات المشي وركوب الدراجات الهوائية: ربط البرج بالمناطق المجاورة (مثل سيدي فرج والمناطق الرطبة) بمسارات بيئية مخصصة للدراجات.

  • سياحة رصد النجوم وفترات الغروب: تنظيم أمسيات ثقافية محدودة العدد لمراقبة الغروب والاستماع للموسيقى التراثية القرقنية (الفلكلور المحلي) وسط الفضاء المفتوح للحصن.

السياحة المستدامة ترتكز على الإنسان. يمكن إنشاء فضاء محاذٍ للموقع (بمعايير معمارية صديقة للبيئة) مخصص للشباب والحرفيين المحليين لعرض منتجاتهم:

  • بيع المأكولات التقليدية القرقنية القائمة على الأسماك المحلية والأخطبوط.

  • تسويق الصناعات التقليدية اليدوية.

  • تكوين شباب الجزيرة كأدلاء سياحيين محليين يقدمون روايات حية وأصيلة عن تاريخ الأرخبيل.

استغلال التكنولوجيا الحديثة لتقليل الحاجة إلى لافتات مادية تشوه المشهد الأثري، وذلك عبر:

  • إدراج رموز استجابة سريعة (QR Codes) عند مدخل الحصن تمكن الزائر من تحميل الدليل السمعي والبصري للحصن بعدة لغات.

  • إدراج المعلم ضمن مسارات السياحة الثقافية الوطنية والدولية المهتمة بالجزر المتوسطية.

 إن برج الحصار في جزر قرقنة ليس مجرد أحجار صامتة، بل هو حلقة وصل بين ماضي تونس البحري المجيد وحاضرها. واستغلاله في إطار تنمية مستدامة يمثل النموذج الأمثل لحماية هذا المخزون الثقافي من الاندثار، وتحويله في الوقت ذاته إلى رافعة تنموية واقتصادية تحترم الطبيعة الساحرة للجزيرة وخصوصية أهلها.

الكاتب الإعلامي محمد المنجة  









....










خدمات النزل والإقامة في صفاقس
. .

 

 خدمات سياحية في صفاقس

. .
... ...... .... Recent Posts Widget .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Articles les plus consultés