السبت، 30 مايو 2026

الصيف في صفاقس "الفصل الضيف": بين نسيم البحر، وحكايات الأبراج، وسهرات السطحة والفيراندا


 

يُمثّل يوم 30 ماي (مايو) في التقويم الفلاحي التونسي المحطة الرسمية لدخول فصل الصيف، وهو بداية "القيطون" والتحول الإيجابي في طبيعة الطقس والنشاط الإنساني. هذا اليوم يحمل مكانة خاصة جداً في الوجدان الشعبي، ولا سيما في جهة صفاقس، حيث ترتبط به منظومة متكاملة من العادات والتقاليد البيئية، الفلاحية، والاجتماعية التي تُبرز عبقرية التأقلم مع الفصول.

مميزات دخول الصيف في التقويم الفلاحي

يتميز هذا الطور بمؤشرات طبيعية واضحة:

  • نضج المحاصيل الصيفية: تبدأ بواكر الغلال بالظهور والنضج (كاللوز الأخضر، التين، والعنب)، وتتحول الحقول إلى خلايا عمل ممتلئة بالحركة.

  • استقرار الطقس وارتفاع الحرارة: يميل الطقس إلى الجفاف الدافئ، مما يجعله مثيلاً ممتازاً لبدء أشغال التجفيف (العوّالة) والأنشطة الخارجية.

  • انطلاق عطلة الأرض والناس: بعد موسم الحصاد وعصر الزيتون في الفصول الماضية، يتفرغ الصفاقسية لنمط عيش يوازن بين العمل الفلاحي الخفيف والاستجمام.

عادات وتقاليد الصفاقسية في فصل الصيف

لأهالي صفاقس طقوس عريقة في إدارة هذا الفصل، تُعد نموذجاً فريداً في الرابط بين المدينة (البلاد) والريف (الغابة).

 التنقل للعيش في  "الأبراج" في الغابة

مع اشتداد الحر، تبدأ الهجرة الموسميّة المنظمة من السكن داخل أسوار المدينة العتيقة أو الربط، إلى "الأبراج" المنتشرة في "الغابة" (وهي جنان الزيتون واللوز المحيطة بصفاقس).

  • البرج: هو مسكن صيفي تقليدي يتميز بأسواره العالية وبنيته التي توفر التهوية الطبيعية، وتحيط به أشجار الفاكهة والزيتون الشاسعة. الانتقال للبرج ليس مجرد تغيير للمسكن، بل هو إعلان عن بدء حياة اجتماعية وعائلية جديدة تتسم بالبساطة والحرية وسط الطبيعة.

غسل الأغطية الصوفية وتجهيز "الفرش"

قبل الاستقرار الكامل في البرج، تقود النساء حملات تنظيف كبرى تشمل غسل الأغطية الصوفية الثقيلة (المرقوم، الكليم، والبطانية) والوسائد وتجفيفها تحت أشعة شمس الصيف القوية لتخزينها للشتاء المقبل، ونشر الفراش الصيفي الخفيف المصنوع من القطن أو المنسوجات المحلية الباردة.

 جني اللوز، التين، والعنب وتجفيفها

تتحول الغابة المحيطة بالبرج إلى ورشة إنتاج عائلية دؤوبة:

  • قطف اللوز وتقشيره: تشترك العائلة كاملة، وخاصة الأطفال والنساء، في قطف اللوز الصيفي، ثم الجلوس في حلقات لتقشيره (إزالة القشرة الخضراء الخارجية "الجراب") لتهيئة اللوز الأبيض إما للاستهلاك المباشر، أو لصناعة الحلويات الصفاقسية الشهيرة لاحقاً، أو لبيعه.

  • تجفيف التين والعنب: يتم جني التين (التبورشي أو الغُذّامي) والعنب، ويُفرشان بعناية فوق "المسطاح" (مساحة مخصصة للتجفيف تحت الشمس) ليتحولا إلى "شريح" (تين مجفف) وزبيب، وهي عناصر أساسية في "عوّالة" الشتاء الصالحة لوجبات الصباح أو "البازين".

 السهر في "السطحة" ومشموم الياسمين

  • السطحة: هي الشرفة العلوية الفسيحة للبرج، وتُعد قلب الحياة الساهرة في الصيف. في الليل، ومع هبوب نسيم "الشلوق" البارد أو "الشرش"، تجتمع العائلة والأقارب والجيران في السطحة.

  • مشموم الياسمين والفل: لا تكتمل السهرة بدون رائحة الياسمين. يقوم الأهالي بجمع زهور الياسمين الأبيض والفل في المساء الطري، وتصفيفها بعناية فائقة بخيوط الحلفاء لصنع "المشاميم" الرقيقة التي تُزين الآذان أو تُوضع في المجالس لتفوح عطلاً زكياً يطرد حرارة اليوم.

 تنظيم "حفلات الأغراس" (الخطوبة والأعراس)

الصيف في صفاقس هو فصل الأفراح بامتياز، ومن أبرز عاداته تنظيم "حفلات الأغراس" (الزيجات والخطوبات) داخل فناء البرج الواسع أو في "السطحة". تتميز هذه الحفلات بالطابع العائلي الحميمي، حيث تُطبخ المأكولات الصفاقسية التقليدية (مثل الكسكسي بالسمك أو بمرقة الغنم)، وتُقدم الحلويات المحلية المصنوعة من اللوز المقشور الطازج، على وقع الأغاني التراثية الدائرية (المعلومة) التي ترددها النساء.

تُمثل هذه العادات دورة حياتية بيئية متكاملة؛ فالصفاقسي لا يستهلك الطبيعة بل يعيش معها في تناغم كامل، مستغلاً خيرات أرضه لتأمين قوته ونشر البهجة في ليالي الصيف الطويلة.

......










خدمات النزل والإقامة في صفاقس
. .

 

 خدمات سياحية في صفاقس

. .
... ...... .... Recent Posts Widget .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Articles les plus consultés