السبت، 16 مايو 2026

لمحة تاريخية عن حرفة الحدادة في صفاقس وقراءة في جمالية الشبابيك "السجل البصري" الذي يروي تاريخ مدينة متوسطية بامتياز


 

تعدّ حرفة الحدادة التقليدية في مدينة صفاقس واحدة من أعرق الحرف اليدوية التي ميزت النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمدينة العتيقة عبر القرون. لقد كانت هذه الحرفة عصب الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية المحيطة بها، وتوارثتها عائلات صفاقسية أبا عن جد، محتفظة بأسرارها وتقنياتها داخل أسوار المدينة.

ارتبطت الحدادة في صفاقس ارتباطاً وثيقاً بنشاطين أساسيين: الفلاحة (خاصة زراعة الزيتون) والعمارة والبناء.وكان للحرفيين قديماً دكاكين بنهج الحدادين، ثم تحول ثقل هذه الحرفة إلى ما يُعرف اليوم بـ "سوق الحدادين" (الذي كان خاناً حتى عشرينات القرن العشرين). هذا السوق كان يعج بالحركة والأصوات المتناغمة لطرق المعادن.

الأدوات المعتمدة في الحرفة 

اعتمد الحداد الصفاقسي على أدوات عريقة مثل:
الكُور (المجمرة): لإيقاد الفحم وإحماء قطع الحديد حتى تحمرّ وتلين.
السندان (ويسمى محلياً "الزَّبْرة"): الكتلة الحديدية الضخمة المثبتة على جذع خشبي سميك ("قرمة") والتي يُطرق فوقها المعدن.
الكلاب والملاقط والمرازب (المطارق الثقيلة).

المنتجات المبتكرة 

لقد تنوعت المنتجات لتغطي كافة الاحتياجات؛ ففي الفلاحة صنعوا أدوات الحفر والتقليم، وفي البناء تميزوا بصناعة الشبابيك الحديدية المزخرفة للمنازل العتيقة (الدربوز)، والرفوف، والمفصلات، والمطارق، والأقفال، والمسامير المقبّبة الكبيرة التي تزين الأبواب الخشبية الضخمة لقصور المدينة، فضلاً عن حدوات الأحصنة والسكاكين.

الشبابيك الحديدية كتحف فنية



شبابيك الحديد في ديار ومعالم المدينة العتيقة بصفاقس تجسيد لمزيج فريد وتلاقح حضاري، حيث تجتمع فيها عناصر التأثير المحلي، والشرقي، والأندلسي، والأوروبي بشكل متناغم، وهو ما يميز عمارة مدينة صفاقس.


الخصوصيات الفنية والوظيفية للمشبك الصفاقسي

وظيفياً صممت في المقام الأول لتوفير الأمان والخصوصية (الحرمة)، حيث تسمح لأهل الدار بالنظر إلى الخارج دون أن يراهم أحد من المارة، وهي فكرة شرقية أصيلة. وفنياً تعتمد على تقنية الحديد المبروم (Mabroum) التي يتميز بها حدادو صفاقس . الشكل المقوس في المنتصف يُعطي عمقاً للنظر ويُسمى "القعدة".

عناصر التأثير الحضاري المتداخلة

الطابع المحلي المحض (الخصوصية الصفاقسية)يتضح في بعض المشابك ذات الشبكات الهندسية القوية والعملية التي تهدف للأمان فقط، مع قعدة بسيطة لوضع النباتات العطرية، كما الشبكات المربعة المستقرة. هذا يُظهر الروح العملية لأهل المدينة كما يتجسد التأثير الأندلسي في التناظر المتقن، والزخارف الملتوية المعقدة (Volutes) التي تُشبه الخطوط الكوفية أو التوريق النباتي، هذا يربط المدينة بمهارة الحرفيين الأندلسيين الذين استقروا في تونس.


في بعض المشابك، يطغى الطابع العثماني الذي يفضل الشبكات الهندسية الأكثر بساطة وتكراراً للأشكال المربعة أو المعينة، والتي تُعطي شعوراً بالقوة والوظيفة الأمنية، كما في النماذج ذات الشبكات المربعة المنتظمة.


مع دخول فترة الحماية الفرنسية وبناء "المدينة العصرية" خارج الأسوار، بدأ الحرفيون يتأثرون بفن "الحديد المطروق" الأوروبي (Fer Forgé) ذي الزخارف الأكثر حرية ونعومة، مثل أشكال الأوراق المنحوتة والتفاصيل الدقيقة التي تبدو أكثر زخرفية منها أمنية

المشابك الصفاقسية كما ذكرنا ليست مجرد قطع حديدية، بل هي "سجل بصري" يروي تاريخ مدينة صفاقس المتوسطية. فهي تجمع بين الرغبة في الحفاظ على الخصوصية العربية-الشرقية، والمهارة الزخرفية الأندلسية، والتأثيرات العملية العثمانية، ثم التحديث الأوروبي، لتنتج طابعاً "صفاقسياً" هجيناً
وأصيلاً في آن واحد
.
مقال للكاتب الإعلامي محمد المنجة
....










خدمات النزل والإقامة في صفاقس
. .

 

 خدمات سياحية في صفاقس

. .
... ...... .... Recent Posts Widget .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Articles les plus consultés