الجمعة، 8 مايو 2026

يونقا على ساحل ولاية صفاقس: قصة مدينة ذات أصول بونية وبصمة رومانية في أعماقها أسرار خفية



يفصلها عن مدينة صفاقس حوالي 45 كيلومتراً جنوباً، وعن مدينة المحرس بضعة كيلومترات فقط، ترقد مدينة أثرية كاملة لم تأخذ حقها بعد من الشهرة. إنها "يونقا" (Younga)، المدينة التي يُعتقد أن اسمها مشتق من نبات "الحلفا" (Joncus) الذي كان ينمو بكثرة في أراضيها. يمتد هذا الموقع الفريد على مسافة 3 كيلومترات على طول الشاطئ، ليكون بذلك متحفاً مفتوحاً يمزج بين روعة البحر وعبق التاريخ.

ما إن تقترب من الموقع حتى يستوقفك الحصن البيزنطي (برج يونقا) المهيب، شاهداً على حقبة مفصلية من تاريخ المنطقة. بني هذا الصرح الدفاعي بين عامي 574 و578 ميلادية على يد البيزنطيين، واتخذ شكلاً شبه مربع يبلغ طول ضلعه حوالي 40 متراً وارتفاع جدرانه 8 أمتار، بسمك يتراوح بين 2 و3 أمتار. لاحقاً، وفي القرن التاسع الميلادي، أعاد الأغالبة استخدام الحصن وحولوّه إلى رباط إسلامي لحماية الثغور. وما زالت معالم هذا الرباط واضحة للعيان، مما يجعل التجول بين جدرانه رحلة عبر الزمن من العصر البيزنطي إلى أولى عهود الإسلام في البلاد.

لكن يونقا ليست مجرد حصن عسكري، بل كانت مدينة كاملة نابضة بالحياة. فعلى بُعد 300 متر فقط من الحصن، كشفت الحفائر عن كنز مسيحي حقيقي: بازيليكا ضخمة تعود للقرن الخامس أو السادس، تبلغ أبعادها 55 متراً في 23 متراً، وتتألف من خمسة أروقة ومئذنتين (Absides). وبالقرب منها، عُثر على معمودية (Baptistère) مستطيلة كانت تغمر فيها المياه المؤمنين الجدد. وليس هذا فحسب، بل تم العثور على بازيليكا ثانية وحتى ثالثة، مما يؤكد أن يونقا كانت مركزاً مسيحياً بارزاً في أفريقيا الرومانية. وقد وصلت مكانتها الدينية إلى حد أن أسقفها (Valentinianus) مثلها في مؤتمر قرطاج سنة 411م، واستضافت المدينة مجمعاً دينياً إقليمياً عام 524م.

لا تزال أرض يونقا تخبئ الكثير. ففي عام 2020، أعلن فريق مشترك من المعهد الوطني للتراث وجامعة درم البريطانية عن اكتشاف مذهل تمثّل في 60 هيكلاً عظمياً. هذا الكشف، إلى جانب المنشآت الضخمة التي تم الكشف عنها، ما هو إلا غيض من فيض، ويشير إلى أن المدينة كانت تضم مقبرة واسعة ومنشآت لا تزال في انتظار من يُخرجها من تحت التراب.

اليوم، وبينما تتجول في الموقع، يمكنك رؤية ما تبقى من هذه الصروح الشامخة:

بقايا أسوار المدينة التي عُثر على نقش ثنائي اللغة (يوناني-لاتيني) يوثق بناءها في القرن السادس، محفوظ حالياً في متحف اللوفر بباريس.

صهاريج وقباب مقنطرة كانت تجمع المياه.

جبّانة تضم قبوراً تعود لفترات مختلفة.

للأسف، يُعاني موقع يونقا، مثل العديد من المواقع الأثرية التونسية، من الإهمال النسبي. الزائر اليوم قد يشعر أنه يكتشف موقعاً مهجوراً أكثر منه موقعاً سياحياً منظماً. لكن لا تخلو القصة من أمل. فحالياً هناك جهود دولية، بالشراكة مع خبراء بريطانيين، لصيانة الموقع، وحمايته من الاندثار، وتوعية السكان المحليين بقيمته الاقتصادية والتراثية الهائلة.
وزيارة يونقا ليست سوى محطة واحدة في منطقة تزخر بالجمال. يمكن للزائر أن يجمع بين رحلة التاريخ هذه ورحلة بحرية فريدة إلى أرخبيل جزر الكنايس (Kneiss) القريب، المحميّة الطبيعية الخلابة التي تنبض بالحياة والطيور المهاجرة والنباتات النادرة. تخيل أن تبدأ يومك بالتجول بين أروقة بازيليكا عمرها 1500 عام، وتنتهيه بغروب شمس ساحر على شواطئ هذه الجزر البكر.

إن يونقا، بحصنها البيزنطي وكنائسها القديمة وشاطئها الممتد، هي جوهرة مخفية على ساحل صفاقس الأبيض المتوسط. إنها وجهة مثالية للمسافر الفضولي الذي يبحث عن تجربة خارجة عن المألوف، عن تاريخ حقيقي يُكتشف على مهل، وعن صورة تونس الجميلة كما لم يرها من قبل. إنها ليست مجرد أطلال؛ إنها دعوة لتعيش لحظة من الزمن، في مكان ينتظر من يمنحه الحياة من جديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Articles les plus consultés