الاثنين، 8 يونيو 2026

ملحمة صفاقس 1881: عندما ينتزع الصمود احترام المحتل


ثمة مدن يمر عليها المستعمر عابراً، فيطمس معالمها ويفرض عليها صمته الخرساني الجاف، وثمة مدن كـ 'صفاقس'؛ تفرض هي شروطها التاريخية والبصرية حتى وهي تحت وطأة القيود. في جويلية 1881، لم تكن معركة صفاقس مجرد مواجهة عسكرية غير متكافئة بين أهالي المدينة والجيش الفرنسي، بل كانت ملحمة صمود وتضحية هزت أركان القيادة الاستعمارية وانتزعت اعترافاً موثقاً ببسالة إنسان هذه الأرض وأصالة عودِه. هذا الاحترام الضمني الذي وقر في نفس المحتل، لم يتوقف عند حدود تسمية أحد شوارع العاصمة باريس باسم المدينة تثميناً لتلك الملحمة الصعبة، بل تغلغل عميقاً في الهندسة المعمارية لمنطقة 'باب بحر'، وتجلى في تبني نمط 'النيو-موريسك' الذي استلهم سحر المدينة العتيقة. إنها رحلة فريدة من ندّية الحرب إلى التكيف المعماري، وصولاً إلى شراكات السلم والتوأمة الحية اليوم، تثبت أن المحتل القوي قد يملك الأرض بقوة السلاح، لكنه لا يملك إلا أن يحترم، ويحاكي، كبرياء الخصم الذي رفض الاستسلام.

"المستعمر يحترم صمود عدوه الشرس"
هي فكرة لها شواهد كثيرة في التاريخ الإنساني، فالقوي عسكرياً، حتى وإن كان غاشماً، غالباً ما ينظر بكثير من الرهبة والإعجاب الضمني للخصم الذي يرفض الانحناء ويقاتل بشرف.

كيف ترجمت فرنسا هذا "الاحترام الاستثنائي" لصفاقس عبر ثلاثة مستويات تاريخية وإنسانية:

الاعتراف العسكري الموثق

التقارير العسكرية الفرنسية التي صاغها القادة البحرية (مثل الأميرال "كونراد" الذي قاد قصف صفاقس في جويلية 1881) لم تتحدث عن الأهالي كـ"متمردين عاجزين"، بل وصفتهم بـ "المدافعين الأشداء والمنظمين".
هذا الاعتراف بشراسة المقاومة الصامتة هو الذي جعل اسم "صفاقس" ينحت لنفسه مكاناً في ذاكرة باريس التاريخية. المستعمر هنا شعر أنه لم يخضع مجرد قرية، بل واجه مدينة حقيقية ذات كبرياء.

معاملة صفاقس كـ "ند اقتصادي وثقافي"

فرنسا أدركت مبكراً أن صفاقس ليست مجرد أرض للنهب، بل هي عقل اقتصادي متكامل (بفضل غابات الزيتون اللامتناهية والقدرة العجيبة لأهلها على التنظيم والتجارة).
لذلك، فإن الاستثناء الصفاقسي تجسد في أن الإدارة الاستعمارية لم تطبق فيها أسلوب "الإلغاء" بل أسلوب "المجاراة". العمارة الاستثنائية التي دمجت التراث بالحديث، والاهتمام بإرساء بنية تحتية قوية، كانت بمثابة إقرار ضمني بأن هذه المدينة لا يمكن حكمها بالحديد والنار وحدهما، بل يجب التعامل مع ثقلها الاقتصادي والبشري بكثير من الحذر والتقدير.

تحول "الاحترام العسكري" إلى "شراكة إنسانية"

ما نراه اليوم من شراكات وتوأمات هو الامتداد الطبيعي لـ"عقدة الإعجاب القديمة".
الفرنسيون الذين عاشوا في صفاقس أو تعاملوا معها، عبر الأجيال، لمسوا في الإنسان الصفاقسي ميزات فريدة: الجدية في العمل، الأنفة، والتعلق بالعلم والمعرفة. هذا التميز البشري فرض نوعاً من الاحترام المتبادل الذي تجاوز عقدة "المستعمِر والمستعمَر" ليتحول إلى صداقة بين نديْن.

إن الشعوب التي تستسلم بسهولة يطويها النسيان وتُعامل بهامشية، أما المدن التي تكتب تاريخها بالدم والصمود كـ صفاقس، فإنها تجبر حتى محتليها على إحناء الرؤوس احتراماً لها، وتجعل من إرثها الاستعماري فصلاً فريداً يتداخل فيه النضال بالمعمار، والصراع بالدبلوماسية الثقافية المستمرة إلى اليوم.

التراث المعماري لمنطقة باب بحر كدليل

1. مقر ولاية صفاقس سابقاً (شركة "صفاقس - قفصة" للفسفاط)
هذا المبنى يمثل ذروة العمارة الصناعية والإدارية التي تبحث عن هوية محلية. شركة سكة حديد وفوسفاط قفصة كانت قوة اقتصادية ضخمة، وأرادت مقراً يعكس هيبتها وفي نفس الوقت يتناغم مع البيئة الصفاقسية.

الاستلهام التراثي: الواجهة الخارجية للمبنى تُعد تحفة فنية في استخدام النقش على الحجر (المقروض) والزخارف الهندسيّة والنباتية المستوحاة مباشرة من البيوت الصفاقسية القديمة ومداخلها الفخمة.

التمازج: من الداخل، تم تصميم المبنى بهندسة أوروبية عملية (مكاتب، أسقف عالية، نوافذ ضخمة للإضاءة)، لكن الواجهة ظلت وفية للمظهر "الموريسكي" الذي يعطي انطباعاً بأنك أمام قصر شرقي وليس مجرد شركة استخراج فوسفاط.

2. قصر بلدية صفاقس: رمزية الصومعة والقبة
يُعتبر قصر البلدية (الذي صممه المعماري الفرنسي "رافاييل غي" Raphael Guy وتم تدشينه في أوائل القرن العشرين) المثال الأبرز على عمارة الإحياء التراثي.

الصومعة: بدلاً من بناء برج ساعة أوروبي تقليدي، استلهم المعماري تصميم البرج الرئيسي للبلدية من مئذنة الجامع الكبير بصفاقس المتميزة بجماليتها المربعة الكلاسيكية وشرفاتها المسننة.

الأقواس والقباب: استخدام الأقواس الحدوية (المستوحاة من العمارة الأندلسية والمغاربية) والقباب البيضاء فوق المداخل والزوايا، أعطى المبنى الإداري العصري روحاً "مقدسة" تشبه روح المدينة العتيقة، مما جعل المواطن الصفاقسي يشعر بالانتماء لهذا الفضاء
الحداثي الجديد

المسرح البلدي القديم: الفن في محراب الهوية الموريسكية

إذا كان قصر البلدية يمثل سلطة الإدارة، فإن المسرح البلدي القديم بصفاقس (الذي دُشّن عام 1903 وهُدم خلال الحرب العالمية الثانية) كان يمثل روح المدينة الثقافية والفنية، وقد بُني هو الآخر ليكون تحفة بصرية ناطقة بالطراز النيو-موريسك.

الواجهة الاستشراقية الأنيقة: صمم المعماري "رافاييل غي" واجهة المسرح لتكون أشبه بمدخل قصر أندلسي غابر؛ حيث تزينت بالأقواس الحدوية المتناظرة، والنقوش الحجرية المفرغة، والشرفات المسننة التي تحاكي أسوار صفاقس العتيقة.

حوار الشرق والغرب: من الداخل، كان المسرح مجهزاً بأحدث التقنيات الأوروبية لعرض المسرحيات والأوبريت، لكن من الخارج، فرض المبنى هويته العربية الإسلامية على الفضاء العصري المحيط به. لم يكن مجرد فضاء للترفيه جلبته الحماية، بل كان اعترافاً فرنسياً آخر بأن مدينة الثقافة والفن كصفاقس لا يمكن خطف ذائقتها دون التماهي مع أصولها البصرية وعمقها الحضاري..

قصر بن رمضان وبنايات شارع الهادي شاكر

شارع الهادي شاكر (شارع الجمهورية سابقاً) كان بمثابة الواجهة العصرية للمدينة، وقصر بن رمضان فيه يمثل توليفة عبقرية.

الأقواس والرواق (الأركاد): استلهم المعماريون هنا فكرة "السقيفة" والأسواق المغطاة في المدينة العتيقة، وقاموا بنقلها إلى الشارع العصري عبر تصميم الأروقة الأرضية ذات الأقواس. هذه الأقواس لا تعطي جمالية بصرية فقط، بل لها وظيفة مناخية هامة (توفير الظل للمشاة وحمايتهم من أمطار الشتاء وشمس الصيف الحارقة، تماماً كما تفعل أزقة المدينة العتيقة).

الشرفات والمشربيات المتطورة: تم تعويض "المشربية" الخشبية التقليدية بشرفات من الحديد المطروق (Fer forgé) تحمل نقشات عربية أندلسية، مما حافظ على خصوصية السكن مع الانفتاح على الشارع العصري.

بين استثناء صفاقس وفوضى الأنماط الاستعمارية

في النهاية، لا بد من الإشارة إلى أن هذه التجربة الفريدة في استلهام التراث لم تكن قانوناً معمماً في كل ما بنته فرنسا على الأرض التونسية. فالمتأمل في الخريطة العمرانية لمدن الحماية يلحظ غالباً فوضى وتنوعاً كبيراً في الأنماط؛ حيث فُرضت الأنماط الأوروبية الكلاسيكية الجافة في أحياء تونس العاصمة الأولى، وصُممت مدن عسكرية وصناعية كاملة كبنزرت و"فيريفيل" (منزل بورقيبة) على الطراز الفرنسي الصرف دون أدنى مراعاة للمحيط المحلي.

ومن هنا تحديداً تبرز قيمة "الاستثناء الصفاقسي"؛ فنصيب صفاقس من نمط "النيو-موريسك" لم يكن مجرد عابرٍ وسط فوضى الأنماط، بل كان "الوصفة السياسية والمعمارية الأذكياء" التي اضطر المستعمر لتقديمها كاعتراف بصري قسري بعراقة هذه المدينة. لقد ظلت الواجهات المزخرفة، والأقواس، والقباب، والصوامع الشامخة في باب بحر شاهدة على أن صفاقس لم تكن مستعمرة تُقاد أعمى، بل كانت نداً عنيداً فرض هويته البصرية، وجعل من معالم مدينته الحديثة وثيقة اعتراف تاريخية صامتة بأن "الصمود، حتماً، ينتزع احترام المحتل".
بقلم الإعلامي الأستاذ محمد المنجة
....










خدمات النزل والإقامة في صفاقس
. .

 

 خدمات سياحية في صفاقس

. .
... ...... .... Recent Posts Widget

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Articles les plus consultés