الجمعة، 30 يناير 2026

شذرات من تاريخ الموسيقى الجهوية بصفاقس ومميزاتها / بقلم محمد المنجة


 

تحمل محفوظات التراث السمعي والبصري في طياتها حكايات عن أشكال حياة الأشخاص وثقافاتهم في جميع أنحاء العالم. إذ تمثّل تراثاً ثميناً يؤكد ذاكرتنا الجماعية، وكذلك ومصدراً قيماً للمعارف باعتبار أن هذه المحفوظات تجسد التنوع الثقافي والاجتماعي واللغوي في مجتمعاتنا. وتساعدنا على فهم العالم الذي نتشاركه جميعاً. وبالتالي فإنّ الحفاظ على هذا التراث وضمان بقائه في متناول الجمهور والأجيال القادمة هدف هام لجميع المؤسسات المعنية بالذاكرة وعامة الجمهور
في هذا السياق نقدم خصوصيات الموسيقى الجهوية بصفاقس وشذرات من تاريخها

خصوصيات الأغنية الجهوية بصفاقس

أفادنا الموسيقار الأستاذ علي الحشيشة بأن الأغنية الجهوية بصفاقس عاشت في كل الفترات علاقات تأثير وتأثر مع محيطها القريب والبعيد كذلك حيث كانت تربط المدينة علاقات اقتصادية واجتماعية متعددة الأوجه على غرار دول الشرق كالجارة ليبيا ومصر واستقطبت المدينة عددا من العائلات القادمة من هناك وقد ,مارس أفرادها تجارة زيت الزيتون منذ القرن 18ميلادي فضلا عن العدد الكبير للعائلات الليبية التي أصبحت تونسية بامتياز على غرار عائلات دريرة وجبير والزواري والطرابلسي والغرياني وكذلك الجهة الغرببية ممثلة بالأساس في الأندلس بقدوم المورسكيين الى تونس واستقطاب عدة مناطق ومن بينها صفاقس لعائلات ذات أصول أندلسية و لابد أن يكون لكل هذا التواجد انعكاسا إيجابيا على مختلف أوجه الإبداع وخاصة الموسيقى

شذرات من تاريخ الموسيقى الجهوية بصفاقس

وأكد ضيفنا أن تاريخ صفاقس الموسيقي متجذر وذي صيت كبير بفضل قاماته المبدعة على غرار محمد النابلي الذي يعد من أول عازفي آلة القانون في الراشدية منذ الأربعينات وأول قائد لطاقم الجيش التونسي فضلا عن إنتاجه الموسيقي الغزير والهام

كما كانت صفاقس تحتضن منذ الأربعينات العديد من الفرق الموسيقية تضاهي في عددها وقيمتها نظيراتها في العاصمة وقد أشعت بإنتاجها في كافة أرجاء الوطن وخارجه كليبيا والجزائر وغيرها على غرار فرقة النادي العصري للموسيقى والتمثيل التي عزز أغلب عناصرها فرقة الاذاعة الجهوية بصفاقس عند تأسيسها

فضلا عن مجهودات اللجان الثقافية التي تكونت في صفاقس منذ سنة 1962 ونظمت العديد من التظاهرات على غرار المهرجان الجهوي للموسيقى

وفرقة تخت التراث الموسيقي التي كونها وأشرف عليها الموسيقي الأستاذ علي الحشيشة والتي برزت بانتاجها الموسيقي وبشكلها المتميز والفريد من نوعه في العالم العربي باعتماد آلات رباب مستنبطة ومبتكرة فنالت الاستحسان وتوجت في عديد التظاهرات على غرار مهرجان الموسيقى الشعبية بأسيوط المصرية وفي كل المدن العربية والعالمية
فرقة اذاعة صفاقس
تأسست فرقة اذاعة صفاقس سنة 1961 بعيد بعث الإذاعة و قد أخذت على عاتقها منذ بدايتها جمع الموروث الشعبي و ليس بالضرورة لجهة صفاقس و لكن لكلّ الجنوب التونسي و باقي تراب الجمهورية
و قد كانت هته الفرقة محظوظة بوجود عمالقة من فناني وموسيقيي صفاقس من حجم الموسيقار محمد الجموسي والشيخ بودية و علي شلغم ومحمد إدريس ومحمد خماخم ومحمد الهادي ومحمد العش و أحمد حمزة و قاسم كافي وغيرهم كثير .
كانت الفرقة تجوب الجنوب التونسي لجمع الأغاني و النوبات والإنشاد الصوفي ... إلى كلّ أنماط الموروث الشعبي الغنائي التونسي و
سجلـّـت معظمه و هكذا حفظته من الإندثار

مميزات مالوف صفاقس
في لقاء صُحفيّ مع الدكتور وجدي عليلة، وهو الباحث المختصّ في روايات المالوف التونسي بالبلاد التونسية والأستاذ بالمعهد العالي للموسيقى بصفاقس حدّثنا عن رواية المالوف بصفاقس فقال:

”تشتمل الحياة الموسيقيّة في صفاقس على عدّة أشكال وأنماط مختلفة تعكس ثراء تاريخيّا وثقافيّا وفنيّا للجهة، ولأنّ صفاقس من خلال تاريخها وموقعها الجغرافي شكّلت عامل جذب على مرّ العصور، فقد تجذّرت بها أنواع شتّى من الأنماط الموسيقيّة منها ماهو أصيل ومنها ماهو وافد، واستطاعت أن تعبّر أصدق تعبير عن أحاسيس ومشاعر المجتمع.

ويعدّ فنّ المالوف من بين أبرز الأنماط الغنائية المتوارثة من جيل لآخر مشافهة والذي حافظ في تداوله على بعض من خصائصه الشعرية والموسيقية وحتّى على مستوى التنفيذ فمثّل بذلك خير رصيد موسيقي يعبّر عن ذاكرة حيّة ناقلة لخصائص ومميّزات فنيّة تفرّدت بها جهة صفاقس ليكون لها رواية خاصّة بها في المالوف التونسي تختلف عن الرواية الرسمية (رواية الأسفارالتونسية/رواية الرشيدية) ورواية تستور ورواية بنزرت ورواية قليبية وغيرها من الروايات المتواجدة بالمناطق الحاضنة لهذا الموروث الفنّي بالبلاد التونسية.

تعتبر مدينة صفاقس من بين أبرز المدن التونسيّة التي لها تاريخ عريق في فن المالوف، ذلك أنّ هذه المدينة قد اشتهرت، ومنذ تاريخ قديم، باحتضانها لعديد الأعلام الموسيقيّة التي كان لها الفضل في حفظ وتحفيظ المالوف لدى أجيال متعاقبة. والمالوف في صفاقس شأنه شأن بقية المناطق التونسية الحاضنة لهذا الفن، ينقسم إلى نوعين: الأوّل يسَمّى مالوف “الجِدِّ” والثاني هو مالوف “الهَزْلِ”.

أمّا النوع الأوّل فهو المالوف الذي يُنشد في الطرق الصوفيّة، وصفة “الجِدِّ” هنا اقترنت بالمالوف للدلالة على كلّ ماهو إنشاد لقصائد وأزجال وموشّحات تتّخذ في أغراضها نزعة دينيّة تعبديّة.

إنّ “مالوف الجِدّ” في صفاقس هو ذلك الرصيد الغنائي الذي اقتصر أداؤه في مجالس الإنشاد الصوفي ومن أبرزها مجالس سيدي أبي الحسن الكرّاي التي كانت تضمّ مجموعة من المنشدين المردّدة للعديد من الموشّحات والأزجال والنوبات الملحّنة على نفس أسلوب نوبات المالوف التونسي، إلاّ أنّ الاختلاف يكمن بالأساس في غياب الأقسام الآليّة في النوبة وهي “الإستفتاح” و”المصدّر” و”التوشيّة” وهو أمر طبيعي على اعتبار أنّ “نوبات الجْدِّ” تُنشد بمصاحبة آلات إيقاعيّة فقط.

أمّا مالوف “الهزل” فهو ذلك المالوف الذي يتّخذ من رصيده الغنائيّ أغراضا شعريّة مختلفة تشمل الغزل والخمر وما إلى ذلك من الأغراض المرتبطة بكلّ ماهو دنيوي. ومالوف “الهَزْلِ” في صفاقس هو مالوف متفرّد ومميّز من حيث مضمونه الأدبيّ والموسيقيّ وحتّى على مستوى آدائه، حيث أنّ هذا النمط الغنائي ارتبط بالعديد من الأعلام الموسيقيّة أصيلي المنطقة والذين كان لهم دورا كبيرا في نشر وتحفيظ ما يكنزونه من رصيد غنائيّ أثروا به التراث الموسيقي التونسي بشكل عام.

ومن أبرز المشايخ الذين تداولوا على فن “مالوف الهزل” بصفاقس، وقد أتى على التعريف بهم الأستاذ علي الحشيشة في كتابه السّماع عند الصوفيّة والحياة الموسيقيّة بصفاقس في القرنين التاسع عشر والعشرين، نذكر الشيخ محمد اللوز والشيخ سعيد بالأطرش والشيخ سعيد الزواري والشيخ محمد بركيّة والشيخ محمد بوديّة، ومّما لا شكّ أنّ كلّ هؤلاء المشايخ كان ولا يزال لهم الفضل في الحفاظ على “مالوف الهزل” بصفاقس، حتّى أنّنا صرنا اليوم نتحدّث عن رواية مالوف تختّص بها هذه الجهة عن باقي الجهات التونسية الحاضنة لفن المالوف، وهي رواية سُجّلت في الخزينة الصوتيّة لإذاعة صفاقس فكانت مرجعا لعديد من موسيقيّي الجهة لينهلوا منها ومنطلقا لمشاريعهم العلميّة والفنيّة على حدّ السواء.

· مثال من مالوف “الجِدِّ” – بطايحي في طبع النوى

أَنَا الّذِي بُحْـــتُ باكْتِــــــتَـــــــامِــــــــــي

مِنْ عَظْمِ شَــــــوقِي وَمِحْــــــنَتِي

فِي المُصْطَفَى الهَاشِمِيّ اتِّهَــــــــامِي

قَصْدِي وَذُخْرِي وَبُغْــــيَـــــتِي

بِمَدْحِهِ قَـــــــــدْ حَــــــــــلَى نِظَـــــــــــامِي

مَنْ حَازَ عَقْلِي وَمُهْجَـــــــــتِي

· مثال من مالوف “الهزْل” – شغل في طبع الحسين

مُبَاحٌ يَا حـَــــــــــبِـــيـــــــــبْ

الحبُّ في المــــــــِـــــــــــــــــــــلاَحِ

في لهْجِنَا مُــرِيــــــــــــــبْ

ألاَ لِكُلِّ لاَحِــــــــــــــــــــــــــــــي

بِالحُسْنِ والجَمـَــــــــــــال

طُوبـَـــــــى لِمَــــنْ تَهَـــــتَّـــــكْ

وفَــازَ بِالــــــوِصـَـــــــــــــــال

وبالبهَاء تَمَـــــــــــــــســَّــــــــــــك

ميزات الحضرة الصفاقسية

تُعد الحضرة الصفاقسية من أعمق وأمتع الفنون الصوفية التونسية، وهي بمثابة رحلة روحانية وفنية تجمع بين ذكر الله والاحتفاء بالتراث المحلي.
إليكم أهم ما يميزها:
1. المزيج الموسيقي الفريد
تعتمد الحضرة الصفاقسية على توليفة من الآلات التي تعطيها طابعاً حماسياً وروحانياً في آن واحد: ك "الزكرة"، "البنادر"، و"الشقاشق".
2. نوبات الأولياء الصالحين
ترتبط "النوبات" (المقاطع الغنائية) بأسماء مشايخ وأولياء عُرفوا في جهة صفاقسوالجهات المجاورة ، ومن أشهرها:
نوبة سيدي علي الكراي.
نوبة سيدي منصور وصيد عقارب.
نوبة بوعلي وسيدي بوعكازين.
3. العرض الفرجوي
تتميز الحضرة بقدرتها على جذب الجمهور ودفعهم إلى حالة من الاستغراق الروحاني . يتم ذلك من خلال:
الإيقاعات التصاعدية: تبدأ بهدوء ثم تتسارع لتصل إلى ذروتها.
4. الروح الصفاقسية (المحلية)
تدمج الحضرة بين الأذكار الدينية وبين الأغاني الشعبية التراثية المرتبطة بالهوية الصفاقسية، مثل أعمال المرحوم "بودية". كما أنها
جزء أساسي من الاحتفالات والمهرجانات الكبرى في المدينة


عينات موسيقية










....











خدمات النزل والإقامة في صفاقس
. .

 

 خدمات سياحية في صفاقس

.
آخر المقالات
...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Articles les plus consultés