لعيد الأضحى "أيام زمان" في صفاقس، أو كما يسميه الصفاقسية "العيد الكبير"، نكهة خاصة جداً ترتبط بعبق المدينة العتيقة، وديارها الواسعة (دار العائلة الكبيرة)، وتفاصيل دقيقة تتوارثها الأجيال. اليوم الأول من العيد ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو منظومة متكاملة من العادات والطقوس التي تبدأ مع الفجر ولا تنتهي إلا بجلوس العائلة حول مائدة المطبخ الصفاقسي الأصيل.
تبدأ الحركة في "الدويرة" (وسط الدار) قبل بزوغ الشمس بالخروج للصلاة: حيث يتوجه رجال العائلة والأطفال، مرتدين اللباس التقليدي التونسي ("الجبة" الصفاقسية البيضاء أو "الفرملة" )، إلى الجوامع التاريخية في المدينة العتيقة مثل الجامع الكبير، أو مصليات العيد المفتوحة، وترتفع التكبيرات لتملأ الأزقة الضيقة بين الأسوار. في هذه الأثناء، تقوم الأمهات والجدات بتنظيف البيت وتبخيره بـ "الجاوي" و"البخور العربي". ومن العادات الطريفة "أيام زمان" تبخير كبش العيد نفسه ووضع اللمسات الأخيرة عليه (كالـ "حناء" التي وضعت له ليلة العيد) تهيئةً للمناسبة.
ذبح الأضحية: "التكبير" والتضامن العائلي فعد عودة الرجال من الصلاة، تبدأ الطقوس العملية للذبح والتي تعكس روح التعاون:ولا ينفرد شخص بالذبح، بل يجتمع الجيران والأقارب لمساعدة بعضهم البعض ("المعونة"). يُوجه الكبش نحو القبلة، ويُسمّى عليه ويكبّر الجميع بصوت واحد.
كان من عادات زمان تغطية عيني الكبش أو سقايته الماء قبل الذبح برفق، كجزء من الآداب المتوارثة.
فور الذبح، تسارع النساء لتنظيف "الدوارة" (الأحشاء) و"المصارين" بالماء الساخن والخل، وهو عمل يتطلب مهارة وسرعة فائقة لتحضير فطور الصباح.
لا يمكن الحديث عن اليوم الأول من العيد في صفاقس دون ذكر "القلاية الصفاقسية"، وهي الوجبة الرسمية والوحيدة التي ينتظرها الجميع بشغف بعد تعب الصباح.
التركيبة الأصيلة: تُحضر القلاية من كبدة الخروف، القلب، و قطع اللحم والهبرة، مقطعة مكعبات صغيرة.
سر الطبخ الصفاقسي: تُطبخ القلاية في الماء ثم كمية وفيرة من زيت الزيتون الصفاقسي البكر، وتُترك لتنضج على نار هادئة جداً (أيام زمان كانت تُطبخ على "الكانون" وفحم الكانو). الميزة الأساسية للقلاية الصفاقسية هي التأني الشديد في الطبخ حتى يتبخر كل الماء ولا يبقى في القدر إلا اللحم وزيته النقي مع الملح، لتخرج بلون ذهبي ورائحة لا تُقاوم.
تُقدم القلاية ساخنة مع الخبز الطازج، ويجتمع حولها الصغار والكبار في "وسط الدار" كأول وجبة تجمع العائلة.
في فترة ما بعد الظهر، تتحول البيوت الصفاقسية إلى ورشات عمل عائلية مصغرة:
تفتيح اللحم للقديد: يُخصص جزء هام من لحم الأضحية (خاصة الضلوع والهبرة الطويلة) لصنع "القديد" (اللحم المجفف). يُملّح اللحم بكثافة ويُتبّل بالثوم، التابل، والكروية، ثم يُنشر على الحبال في "السطح" ليتشرب شمس صفاقس الحارة لعدة أيام.
يبدأ تشغيل الكوانين لتجهيز مشاوي اللحم (البروشيت) في فناء الدار، حيث يفوح دخان الشواء الممزوج برائحة الفحم الأصيل في كل الزقاق.
مع انكسار حدة الشمس وبداية "العشوية"، تبدأ الأجواء الاجتماعية الساهرة: و يرتدي الأطفال ملابس العيد الجديدة، ويطوفون على الأجداد والأعمام والأخوال لتلقي "المهبة" (العيدية المالية).
تنطلق الزيارات العائلية وتبادل التهاني ("عيدك مبروك، سنين دايمة"). ويحرص الصفاقسية على تذوق "قلاية" بعضهم البعض، حيث تفتخر كل ربة بيت بـ "بِـنّة" قلايتها ونقاء زيتها.
ملاحظة تاريخية: أيام زمان، كان لحم العيد يُحفظ بطرق تقليدية نظراً لعدم توفر الثلاجات؛ فإلى جانب القديد، كانت "القلاية" تُطبخ بكميات كبيرة وتُحفظ في أواني فخارية مغمورة بالكامل بالزيت (العوامة) لتبقى صالحة للأكل لأسابيع طويلة دون أن تفسد.
....
خدمات النزل والإقامة في صفاقس
.
.
خدمات سياحية في صفاقس
.
.
...
......
....
Recent Posts Widget
.
.png)
.jpg)








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق