تقع على بعد أقل من ساعة بالسيارة من مدينة صفاقس ، وفي أرض قرية صغيرة تُدعى «بُطْريَة»، حكاية مدينة لم يكتب لها النسيان الكامل. هنا قامت «أشولا» (أو «أكولا»)، تلك المستعمرة التي أسسها مهاجرون قادمون من جزيرة مالطة بدعمٍ من قرطاج في القرن الرابع قبل الميلاد. ثم عاشت عصرها الذهبي تحت الرومان، فكان لها ميناءٌ يضج بالحركة، ومسرحٌ ومدرجٌ يليقان بمدينة كبرى، وحماماتٌ وفسيفساءُ تُحسد عليها. بعد الفتح الإسلامي خفت صوت المدينة واندثرت تحت التربة لعصور طويلة، لكنها لم تَمُت كليةً. فاليوم، لا تزال أرض بُطْريَة تنبض بجذورها البونية وأحجارها الرومانية ومعمودياتها المسيحية، في انتظار أن يعيد الزائرون أو الباحثون إليها رونقها المنسي. هذا المقال يُلقي الضوء على تلك الرحلة العجيبة لمدينة عاشت بين عالمين، وسكنت بين مالطة وصفاقس.
في منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، أبحرت مجموعة من المستوطنين من جزيرة مالطة نحو الساحل الإفريقي. لم يكونوا مغامرين عاديين، بل أشخاصاً حملوا معهم لغتهم وعاداتهم وحلمهم بمدينة جديدة. استقبلتهم قرطاج – تلك الإمبراطورية البحرية التي كانت تتحكم في غرب البحر المتوسط – بالترحيب والدعم، ورأت في تأسيس هذه المستعمرة امتداداً لنفوذها. هكذا ولدت «أشولا» أو «أكولا». اختار المؤسسون موقعاً استراتيجياً على شاطئ البحر، حيث يمكنهم بناء ميناء طبيعي يحمي سفنهم من الأمواج، وتحيط به أراضٍ خصبة تصلح للزراعة. لم يدم السلام طويلاً، لكن المدينة الصغيرة تعلمت كيف تصمد وتنمو.
عندما سقطت قرطاج نهائياً على يد الرومان سنة 146 قبل الميلاد، وقفت «أشولا» في صف المنتصر. بل إنها أظهرت ولاءً كبيراً لروما لدرجة أنها دعمت يوليوس قيصر في حروبه الأهلية. وجاء المكافأ ثميناً: منحها قيصر صفة «المدينة الحرة» (Civitas Libera)، أي أنها حكمت نفسها بنفسها ولم تدفع ضرائب لروما. عندها انطلق العصر الذهبي لأشولا.
امتلأ الميناء بسفن تحمل زيت الزيتون والنبيذ إلى مختلف أرجاء الإمبراطورية. شُيد مسرح فخم يتسع لآلاف المتفرجين، ومدرج روماني لا يزال بعض جدرانه شامخة حتى اليوم. انتشرت الحمامات العامة في كل حي، وأرضيات الفسيفساء الملونة زينت بيوت الأغنياء. يقول الباحثون إن أهالي أشولا لم يبخلوا أبداً على مدينتهم؛ فكل عائلة غنية أرادت أن تترك أثراً. لهذا نجد اليوم بقايا ثلاث فيلات كبيرة على الأقل، وفي إحداها لوحة فسيفساء رائعة تُمثِّل إله المحيط، وكأنها تقول: نحن أسياد هذا البحر.
مع تراجع الإمبراطورية الرومانية وصعود المسيحية كدين رسمي، تحولت أشولا إلى مركز ديني مهم. صارت مقراً لأبرشية مسيحية، وما زال الباحثون يعثرون على أحواض تعميد (معموديات) منحوتة في الصخر، كانت تغمر فيها المياه أجساد المؤمنين الجدد. لكن مع الفتح الإسلامي لشمال إفريقيا في القرن السابع الميلادي، بدأت رياح التغيير تعصف بالمدينة. لم يتم تدميرها دفعة واحدة – فلا حروب ضروس ولا كوارث طبيعية – لكن الناس رحلوا شيئاً فشيئاً. جف الميناء، وانقطعت التجارة، وخفت أصوات المسرح والمدرج. غطت الرمال والأتربة المنازل والمعابد والحمامات، ونامت أشولا نوماً عميقاً استمر لأكثر من ثلاثة عشر قرناً.
ظل موقع أشولا مجهولاً حتى منتصف القرن العشرين. لم يكن أحد يعرف بالتحديد أين قامت تلك المدينة البونية الرومانية. لكن في عام 1947، حدث الاكتشاف الحاسم: عثر فريق من الباحثين على نقش مزدوج مكتوب باللغتين البونية واللاتينية، وفوقه إشارة واضحة إلى «شعب أشولا». عندها تأكد الجميع أن قرية «بُطريَة» الصغيرة هي وريثة المدينة القديمة. منذ ذلك الحين، بدأت التنقيبات الأثرية تتواصل ببطء، وكشفت عن كنوز لا تزال معظمها في جوف الأرض. اليوم، يمكن للزائر أن يقف على بقايا المسرح، ويمشي بين جدران الحمامات، ويتأمل فسيفساء لا تزال تحتفظ بألوانها. لكن المساحة الأكبر من المدينة (نحو مئة هكتار) لم تُحفر بعد. إنها ترقد تحت الحقول وكروم الزيتون، تنتظر من يوقظها.
ليست «بُطْريَة - أشولا» مجرد كومة حجارة قديمة؛ إنها شهادة حية على قدرة الشعوب على التلاقح والبناء رغم تغيرات الزمن. أسسها مالطيون تحت حماية قرطاجيين، ثم ازدهرت تحت الرومان، ثم صلَّى فيها مسيحيون، ثم رقدت قروناً طويلة. واليوم، وبجهود أثرية متواضعة، بدأت تتنفس من جديد. كل موسم حفريات يخرج بقصة جديدة، وكل فسيفساء يتم الكشف عنها تروي جزءاً من حكاية لم تنتهِ بعد. ربما في يوم قريب، تعود أشولا إلى خريطة السياحة الثقافية في تونس، وتُصبح بحق كما كانت دائماً: مدينة تنبض بين مالطة وصفاقس.
خدمات النزل والإقامة في صفاقس
.
.
خدمات سياحية في صفاقس
.
.
...
......
....
Recent Posts Widget
.











ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق