يمثل خشب الزيتون أحد أهم الموارد المرتبطة بالهوية الفلاحية والثقافية لولاية صفاقس، إذ لا يقتصر دوره على كونه منتوجًا ثانويًا لشجرة الزيتون، بل تحوّل تدريجيًا إلى مادة فنية وحرفية ذات قيمة اقتصادية وجمالية عالية. وتتميز هذه الأخشاب بصلابتها وعروقها الطبيعية المتداخلة وألوانها الدافئة، ما يجعلها مطلوبة في الصناعات التقليدية الراقية وصناعة التحف والأثاث وأدوات المطبخ والديكور.
وتعد صفاقس من أهم الجهات التونسية المؤهلة لتطوير هذه الحرفة، بحكم امتلاكها واحدة من أكبر غابات الزيتون في العالم، إضافة إلى ارتباط المجتمع المحلي تاريخيًا بشجرة الزيتون ومشتقاتها. وقد ساهم هذا المخزون الطبيعي في ظهور عدد من الورشات والمؤسسات المختصة في تثمين خشب الزيتون وتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة موجهة للسوق المحلية والتصدير.
الواقع الحالي للحرفة
شهدت صناعة منتجات خشب الزيتون خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، خاصة مع تنامي الطلب على المنتجات الطبيعية والإيكولوجية. وأصبحت الورشات الحرفية بصفاقس تنتج:
أواني وأدوات مطبخ تقليدية وعصرية
تحفًا فنية ومنحوتات
أثاثًا منزليًا وقطع ديكور
هدايا سياحية ذات طابع تونسي ومتوسطي
منتجات موجهة للنزل والإقامات الريفية والمطاعم السياحية
كما برزت تجارب شبابية حديثة تجمع بين الحرف التقليدية والتصميم العصري والتسويق الرقمي، ومن أبرزها تجربة شركة ArtisRaw المتخصصة في منتجات خشب الزيتون، والتي حظيت باهتمام رسمي باعتبارها نموذجًا للابتكار والتثمين الاقتصادي للصناعات التقليدية.
التحديات والإشكاليات
رغم الإمكانيات الكبيرة، لا تزال هذه الحرفة تواجه عدة صعوبات، من أهمها:
ضعف التكوين المهني المتخصص في النحت والتصميم على خشب الزيتون
محدودية المسالك الترويجية والتسويق الدولي
غياب علامات جودة وهوية بصرية موحدة لمنتجات الجهة
المنافسة مع المنتجات الصناعية المستوردة
نقص الفضاءات السياحية الدائمة لعرض المنتوجات
ضعف الربط بين الحرفيين والمسالك السياحية
كما أن جزءًا من خشب الزيتون الناتج عن تقليم الأشجار أو اقتلاعها لا يزال يُستغل بطرق تقليدية محدودة القيمة، في حين يمكن تحويله إلى منتجات فنية وسياحية ذات مردودية أعلى.
الآفاق المستقبلية
تمتلك صفاقس فرصًا واعدة لتحويل خشب الزيتون إلى عنصر أساسي ضمن الاقتصاد الثقافي والسياحي، خاصة مع تنامي الاهتمام العالمي بالسياحة البيئية والمنتجات المحلية الأصيلة. ويمكن أن تتجه الحرفة نحو:
تطوير تصميمات عصرية تجمع بين الأصالة والحداثة
بعث قرى أو مسالك حرفية مرتبطة بالزيتونة
توسيع التصدير نحو الأسواق الأوروبية والخليجية
دمج الحرفيين في الاقتصاد الرقمي ومنصات البيع الإلكترونية
تشجيع الصناعات الإبداعية المرتبطة بالديكور والفن المعاصر
وتبرز هنا أهمية ربط الحرفة بمشاريع “سياحة الزيتون” التي بدأت تتشكل في الجهة، عبر تثمين كل مكونات المنظومة الزيتونية من زيت وخشب ومأكولات وعادات اجتماعية.
استغلال خشب الزيتون في المجال السياحي
يمكن أن يشكل خشب الزيتون رافدًا مهمًا للسياحة البديلة والمستدامة بصفاقس من خلال:
الهدايا والمنتجات السياحية
إنتاج تحف وهدايا تحمل رموز صفاقس والزيتونة، تُباع في الفضاءات السياحية والمطارات والمعارض.
السياحة الحرفية
تنظيم زيارات لورشات النحت والصناعة التقليدية، بما يسمح للسائح باكتشاف مراحل التصنيع والمشاركة فيها.
المسالك الريفية
إدماج الحرف المرتبطة بخشب الزيتون ضمن مسارات سياحية تشمل المعاصر التقليدية والإقامات الريفية وتذوق زيت الزيتون وهو ما قامت به جمعية تونس الزيتونة ولا بد من دعمها لمزيد تفعيل هذا التوجه
. التظاهرات والمعارض
تنظيم مهرجانات ومعارض دولية لفنون خشب الزيتون تستقطب الزوار والمهتمين بالحرف كما تقوم بذلك جمعية تونس الزيتونة في مختلف دورات مهرجانها الدولي للزيتونة بصفاقس من خلال سوق الزيتونة
تثمين الهوية المحلية
اعتماد منتجات خشب الزيتون في تهيئة الفضاءات السياحية والنزل والمطاعم التقليدية لإبراز الطابع الصفاقسي الأصيل.
يمثل خشب الزيتون بصفاقس ثروة ثقافية واقتصادية حقيقية، قادرة على خلق مواطن شغل ودعم الصناعات التقليدية وتعزيز صورة الجهة سياحيًا. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين التكوين والتصميم والتسويق وربط الحرفة بالسياحة الثقافية والريفية. فكما صنعت الزيتونة تاريخ صفاقس الفلاحي، يمكن لخشبها اليوم أن يساهم في صناعة سياحة جديدة أكثر استدامة وخصوصية
الكاتب الإعلامي محمد المنجة .
.....
خدمات النزل والإقامة في صفاقس
.
.
خدمات سياحية في صفاقس
.
.
...
......
....
Recent Posts Widget
.
.png)
.jpg)








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق