تُعد الجمعية العصرية للموسيقى والتمثيل بصفاقس، والتي اشتهرت في الأوساط الشعبية باسم "موسيقى الباي"، واحدة من أعرق المؤسسات الفنية والثقافية في تونس. لم تقتصر مكانتها على كونها فرقة موسيقية عسكرية (نحاسية) فحسب، بل تجاوزتها إلى أن أصبحت معهدًا موسيقيًا تعليميًا ومسرحًا تفاعليًا ساهم في تشكيل الوجدان الفني لمدينة صفاقس لعقود طويلة.
أولاً: التأسيس والهياكل القيادية (منذ 1920)
1. دوافع التأسيس
تأسست الجمعية عام 1920، وكان مقرها التاريخي بحي باب الجبلي، وذلك لخلافة الفرقة النحاسية الصفاقسية القديمة، والتي كانت تتألف في معظمها من أجانب، خاصة من الجالية الفرنسية. أراد المؤسسون أن تكون الفرقة الجديدة تونسية خالصة الهوية والنخبة.
2. الهيئة التأسيسية
تكونت الهيئة التأسيسية من كوكبة من أعيان وتجار صفاقس، وهم:
أحمد بن سلامة (رئيسًا).
الطيف بن حسن (كاهية رئيس).
الصادق الغرياني (أمين مال).
بالإضافة إلى: العربي البولاطي، أحمد قطاطة، حمدة الشعبوني، محمد الطيب الشرفي، الطيب معلى، ومحمد العيادي.
3. تطور الهياكل القيادية
سنة 1925: ترأس الهيئة الإدارية الدكتور الحبيب العكروت، بينما تولى مهذب الجد منصب كاهية رئيس.
الهيئة الحالية: يرأس الجمعية حاليًا محمد الفريخة، وتولت سهير التومي أمانة المال، وتضم بقية المكتب: نور الدين بن فرج، عبد الله عباس، منى زريدة، الأزهر البوعزيزي، عبد الحميد جليل، محمد كمون وصلاح غربال.
ثانياً: التحول إلى مؤسسة علمية (1939)
شهدت مسيرة الجمعية محطة تحول كبرى عام 1939، حيث انتقلت من كونها مجرد فرقة للعزف والتمثيل إلى مؤسسة علمية، وتحول اسمها إلى "معهد الموسيقى العصرية بصفاقس"، مما أكسبها بُعدًا أكاديمياً في تعليم الموسيقى وتخريج الأجيال.
ثالثاً: التقلبات الفنية والاندماجات الكبرى
1. رحيل المعلم محمد النابلي
كان مغادرة "المعلم" محمد النابلي للجمعية حدثًا فارقًا، وذلك بعد مسيرة زادت عن 15 سنة قدم خلالها أعمالاً قيمة، حيث غادر ليُشرف على تدريب فرقة جمعية الوداد الجديدة الناشطة في صفاقس. ولتفادي الفراغ الكبير في القيادة، كلفت الهيئة المدنية المساعد الحبيب بريرة (الشهير بالغربي) بخلافته.
2. الاندماج الأول (1960): ميلاد "النادي العصري"
كانت سنة 1960 محطة تأسيسية كبرى، حيث عقدت الجمعية جلسة مشتركة مع النادي البلدي للفن والموسيقى، وأسفرت عن قانون أساسي لجمعية موحدة عرفت باسم "النادي العصري للموسيقى والتمثيل" (وهو اسم مشتق من إسمي الجمعيتين). تولى الإشراف الفني على هذه الجمعية الموحدة القائد الحبيب بريرة (الغربي) بمساعدة الهادي المحرسي، ومن بعده تسلم القيادة كل من نصر الصويعي ومصطفى بن غزلان.
3. الاندماج الثاني (1969): ميلاد "نادي حشاد" ثم الانفصال
في عام 1969، حدث توحيد ثانٍ بين:
"النادي العصري للموسيقى والتمثيل".
"فرقة جمعية الوداد بصفاقس" (وهي جمعية الاتحاد الفني فرحات حشاد التي أسسها نخبة من النقابيين في أوت 1949).
نتج عن هذا التوحيد ميلاد جمعية جديدة أطلقت عليها اسم "نادي حشاد للموسيقى العصرية"، وأسندت رئاستها للأستاذ عي الحشيشة (وهو والد الفنان المختار الحشيشة أو أحد أقاربه حسب بعض الروايات، علماً أن المختار الحشيشة ترأس نادي حشاد لاحقًا كما ورد في السؤال السابق).
ملاحظة هامة: التجربة لم تدم طويلاً، إذ حصل انفصال بين الجمعيتين بعد فترة لم تتجاوز السنتين.
4. علاقة الفرقة بالوداد
يجدر التذكير بأن المعلم محمد النابلي هو نفسه من أشرف على تدريب الطاقم الموسيقي لجمعية الوداد عند انبعاثها، كما انضم إليه عدد من عناصر الجمعية العصرية الأصلية مثل: محمد شنيبة، محمد اللجمي، والهادي بوصرصار.
رابعاً: النشاط المسرحي والتمثيلي للجمعية
لم تقتصر "موسيقى الباي" على النشاط الموسيقي النحاسي (الطبليات) فقط، بل كان التمثيل ركيزة أساسية فيها، خاصة بعد التحولات التنظيمية التي جعلتها تحمل اسم "الموسيقى والتمثيل".
التوجه الفني: في مرحلة النادي العصري ونادي حشاد، طُوّر النشاط المسرلي بشكل كبير، واتجهت الفرقة إلى تقديم أعمال مسرحية هادفة تجمع بين الموسيقى التصويرية والتمثيل الحي، محاكية قضايا المجتمع الصفاقسي والتونسي.
الجمهور: كان جمهور صفاقس يتابع بشغف عروض الفرقة المسرحية، التي غالباً ما كانت تُقام في قاعات الجمعية أو في المناسبات الوطنية، مثل عيد ميلاد الزعيم الحبيب بورقيبة واحتفالات عيد الجلوس للأمير محمد الأمين باشا باي، حيث كانت تقدم بشارف (قطع) موسيقية وتمثيلية متكاملة.
المناسبات: استمرت الفرقة في إحياء المناسبات الدينية مثل ليلة 27 رمضان، حيث تسير الفرقة عازفة وممثلين في موكب مهيب من مقرها بباب الجبلي، عابرة المدينة العتيقة باتجاه باب الديوان وأسواق منطقة باب بحر.
النشاط الدخيل (حفلات الخاصة) : كان إحياء الحفلات الخاصة مثل الأفراح والختان والمواكب المرتبطة بتجهيز العريس يعتبر نشاطًا دخيلًا في البداية، لكنه انتشر في السنوات الأخيرة ليصبح جزءاً من أنشطة الجمعية.
خامساً: أبرز أعلام الجمعية في التمثيل
1. عبد السلام البش (1919 - 1979)
دوره في الجمعية: كان عبد السلام البش أحد الأعمدة الفنية للفرقة. لم يقتصر حضوره على التمثيل بل شارك في الإدارة الفنية لجمعية "الموسيقى العصرية" إلى جانب المختار حشيشة.
بدايته: انطلق من مسقط رأسه صفاقس، حيث انضم إلى فرقة "النجم التمثيلي" قبل أن يتولى إدارة الفرقة العصرية.
مسيرته اللاحقة: بعد انتقاله إلى تونس العاصمة (أواخر 1957)، أصبح عضواً في الفرقة التمثيلية للإذاعة الوطنية وفرقة "المسرح الشعبي". اشتهر لاحقاً في التلفزة التونسية بأدواره الكوميدية الخالدة التي جعلت منه أيقونة في الوجدان التونسي. يُذكر أنه متزوج من الفنانة الكبيرة (رتيبة الحاج) حسب بعض المصادر.
2. المختار الحشيشة (1920 - 1983)
دوره في الجمعية: إلى جانب التمثيل، كان المختار الحشيشة شاعرًا وكاتبًا وإذاعيًا بارزًا. ترأس "نادي حشاد للموسيقى العصرية" بعد فترة وجيزة من تأسيسه، وساهم في تطوير العمل الفني.
إسهاماته الإذاعية: أشرف على برامج إذاعية مهمة مثل برنامج "قافلة تسير".
إسهاماته المسرحية: كتب العديد من النصوص المسرحية التي مزجت بين الكلمة والموسيقى. فازت مسرحيته الشهيرة "محكمة الشياطين" بالجائزة الأولى في مهرجان قرطاج المسرحي، وهو إنجاز كبير يعكس عمق موهبته.
إرثه الأدبي: كتب أكثر من 200 أغنية لكبار المطربين التونسيين، مما يجعله واحداً من أبرز الشعراء الغنائيين في تونس.
تظل الجمعية العصرية للموسيقى والتمثيل بصفاقس درة التراث الفني في مدينة صفاقس. من خلال تحولاتها المتعددة، واندماجاتها، ورعايتها لأعلام كبار مثل عبد السلام البش والمختار الحشيشة، أثبتت هذه الجمعية أنها أكثر من مجرد فرقة موسيقية، بل مدرسة حية
في الموسيقى والتمثيل، ونموذج للعمل الجمعياتي الثقافي الرائد في تونس
من إعداد الصحفي بمجلة شمس الجنوب سابقا محمد المنجة .
......
خدمات النزل والإقامة في صفاقس
.
.
خدمات سياحية في صفاقس
.
.
...
......
....
Recent Posts Widget
.





.jpg)








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق