الموقع الأثري باراروس (Bararus)، المعروف محلياً بمنطقة وادي الرّقة في معتمدية الحنشة من ولاية صفاقس، يعد واحداً من الشواهد التاريخية البارزة التي تختزل ثراء وتنوع التراث الأثري في منطقة الساحل الصفاقسي.
نشأت باراروس في عمق معتمدية الحنشة (شمال ولاية صفاقس)، وتحديداً في منطقة "وادي الرقة"، وهو موقع استراتيجي يربط بين السهول الداخلية الخصبة والمسالك الساحلية لشرق البلاد التونسية.
عُرفت المدينة في النصوص والخرائط الرومانية القديمة باسم باراروس (Bararus)، وتشير الدراسات الأثرية إلى أن أصول التسمية قد تحمل جذوراً لوبية (أمازيغية) قديمة قبل أن يتم إدراجها ضمن الشبكة الحضرية الرومانية.
رغم أن المعالم البارزة اليوم تعود للفترة الرومانية، إلا أن المسوحات الأثرية تشير إلى أن الاستيطان البشري في منطقة وادي الرقة يعود إلى فترات أقدم. كانت المنطقة تمثل جزءاً من العمق الزراعي لقرطاج، ونقطة تلاقي للقبائل اللوبية المحلية التي استقرت حول مجاري المياه والوديان (مثل وادي الرقة) للاستفادة من خصوبة التربة.
شهدت "باراروس" أوج ازدهارها خلال القرنين الثاني والثالث ميلادي، وتحولت إلى مدينة فلاحية وحضرية متكاملة بفضل اقتصاد الزيتون حيث كانت المدينة تمثل مركزاً حيوياً لإنتاج وتجميع زيت الزيتون، وتصديره عبر الموانئ القريبة (مثل بوتريا - بطرية بشمال صفاقس، أو سلقطة).
تميزت المدينة بتخطيط روماني كلاسيكي يضم ساحة عمومية (فوروم)، معابد، وحمامات عامة.
استمرت الحياة في المدينة خلال العهد البيزنطي، حيث تم تحصين بعض معالمها وتشييد كنائس ومعالم مسيحية مبكرة، واستغلال أسوارها لحماية المخازن الفلاحية.
في العصر الإسلامي ارتبط اسم الموقع بـ "وادي الرقة"، وتذكر بعض المصادر التاريخية والتواتر المحلي أن التسمية قد تكون ذات صلة بالعهد الأغلبي أو الفاطمي، حيث أُطلق اسم "الرقة" (تشبهاً برقة العراق) على بعض المواقع الاستراحات أو الحصون النامية حول مجاري المياه العذبة، وتحول الموقع بمرور الزمن إلى نقطة ارتكاز ريفية تحيط بها بساتين الزيتون والمراعي.
المكونات والمعالم الأثرية للموقع
تتوزع في موقع باراروس بوادي الرقة شواهد أثرية عديدة، رغم أن الكثير منها لا يزال مدفوناً تحت الأرض وينتظر حفريات شاملة، ومن أبرز ما تم توثيقه:
الصهاريج المائية الضخمة: نظراً للمناخ شبه الجاف للمنطقة، اعتمدت المدينة على منشآت مائية متطورة لتخزين مياه الأمطار ووادي الرقة، وتعتبر هذه الصهاريج من أبرز المعالم الواضحة التي تدل على الهندسة المائية الرومانية المتقدمة.
بقايا المعاصر البرميلية: عُثر في الموقع ومحيطه على حجارة طحن ضخمة وأسس لمعاصر زيتون قديمة، مما يؤكد أن المنطقة كانت "قلباً نابضاً" لإنتاج الذهب الأصفر (الزيت) منذ آلاف السنين.
الأثاث الجنائزي والشواهد: كشفت الحفريات التفقّدية والمصادفات الفلاحية عن وجود مقابر قديمة تحوي شواهد قبور ونقوشاً لاتينية تقدم معلومات عن أسماء وعائلات بعض سكان المدينة القدامى.
اللوحات الفسيفسائية: على غرار أغلب المواقع الأثرية في ولاية صفاقس (مثل بطرية وطينة)، تحتضن أرض باراروس لوحات فسيفسائية أرضية غنية بالرسوم والنقوش التي تجسد الحياة اليومية، المعتقدات القديمة، والحيوانات، ونُقل بعضها في فترات السابقة للمتاحف الوطنية والمحلية لحفظها.
الوضع الحالي والقيمة التراثية
يُصنف موقع باراروس بوادي الرقة بالحنشة كواحد من المواقع الأثرية الواعدة في الجهة، ويمثل:
مخزوناً ثقافياً وسياحياً: يمتلك الموقع مؤهلات كبرى لإدراجه ضمن مسالك "السياحة الخضراء" والثقافية في ولاية صفاقس، بربطه بمسارات غابات الزيتون الشاسعة في الحنشة.
حاجة لمزيد من الاستكشاف: يشدد الباحثون وخبراء المعهد الوطني للتراث بانتظام على أهمية القيام بحملات حفر علمية واسعة النطاق للكشف عن كامل أجزاء المدينة المدفونة، وحمايتها من الزحف العمراني أو التخريب، لتوثيق دورها التاريخي بدقة كصلة وصل بين صفاقس والساحل التونسي
خدمات النزل والإقامة في صفاقس
.
.
خدمات سياحية في صفاقس
.
.
...
......
....
Recent Posts Widget
.













.jpg)







